الكنز الذي لا يفنى

ثمّة مفاتيح لأبواب استصعبنا فتحها لا تزال معلقة بين أطراف أصابعنا، نحملها معنا ولكننا نغفل عنها، ولربما في بعض الأوقات نصدُّ بأعيننا عنها، ولكن في نهاية الأمر مفاتيح الأمور بأيدينا، مهما دامت انتكاستنا فنحن نقف في نهاية المطاف على حافة الطريق متشبثين بهذه الحياة، لأننا في كل مرحلة من عمرنا نستوعب فكرة واحدة أساسية في عيشنا وسعينا نحو الحياة وملذاتها، تنزاح الغشاوة عن أعيننا لنرى أن المفتاح الوحيد الذي سينقذنا من دوامة هذه الحياة، وحروبنا التي نخوضها يومياً مع أنفسنا، كل ذلك سيكون واضحاً جلياً، وتصفو معكرات الأيام، حين نفتح بـاب «القناعة»، سيصبح استيقاظ الصباح أجمل وأسهل، ستُصبح كل الطرق معبدة، سنرى الحياة من زاوية جميلة، سنتذوق السعادة الحقيقية.

تُعرف القناعة لغةً بأنها «رضا باليسير من العطاء»، واصطلاحاً: «الرضا بما أعطى الله» (مشارق الأنوار، لأبي الفضل البستي)، وعرفها السيوطي: «القناعة: الرضا بما دون الكفاية، وترك التشوُّف إلى المفقود، والاستغناء بالموجود» (معجم مقاليد العلوم)، عندما نتمعن جيداً في المعنى بقلوبنا ونؤمن به، وقتها سنفهم حقاً لماذا قيل: «القناعة كنز لا يفنى».

القناعة عندما تبدأ تلامس أرواحنا وإدراكنا لها، حينها ستبدأ السعادة توسع آفاقها معنا، سيتخللُ الرضا أيامنا، بالمقابل يجب علينا أن نفهم أن القناعة لا يمكن أن يلازمها الطمع، لا يمكن أن يُقابلها اليأس بالحال، ولا أبداً العتاب ولوم حظ الأيام معنا، هي، ببساطة شديدة دون تكلف، أن تكون راضياً بما بين يديك، هي الشكر والامتنان والغبطة لكل ما هو من حولك ومعك، كسقف بيتك ورغيف الخبز الساخن، وسادتك ودفء سريرك، وظيفتُكَ ذات المعاش القليل، وتلك الوظيفة التي لا تزال تبحث عنها، سيارتك ذات الطراز القديم، ملابسك التي لا تواكب الموضة، أطفالك الأشقياء، والكثير من الأمور التي لم تأت بالكمال الذي تريده، لكنك تملك الكثير والحياة التي لم تعشها كما تتمنى، لكنك تعيش، كل الأمور التي لا تزال عالقة.

هنا تكمن القناعة الحقيقية بأن تؤمن تماماً بأن ما لديك الآن رغم نقصه هو الاكتفاء ونعمة، فغيرك يتمنى رُبع ما لديك، أن تكف في البحث عن الكمال الموجود لدى غيرك.

يقول الشافعي:

رَأَيتُ القَناعَةَ رَأسَ الغِنى
فَصِرتُ بِأَذيالِها مُمتسك
فَلا ذا يَراني عَلى بابِهِ
وَلا ذا يَراني بِهِ مُنهَمِك
فَصِرتُ غَنيّاً بِلا دِرهَمِ
أَمُرُّ عَلى الناسِ شِبهَ المَلِك

عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه"، القناعة تلازمها توابع جميلة جداً، فهي مفتاح للكثير من الأبواب المغلقة، حين تقنع بما قسمه الله لك ستأتيك من الله سعادات لا حصر لها، ستكون نظرتك إيجابية للكثير من الأمور، سيختفي غضبك على الحياة، ستكون النسخة الكاملة من نفسك.

طباعة Email