حكم الحناجر

بين بعثرة الأحداث واتزانها تقف بعض الأرواح في زاوية متزعزعة منتظرة أن يطرق المارد السحري أبوابها حتى تعيد ترتيب الأمور التي لم يعطها ميزان الحياة قيمتها الحقيقية حتى بات أحد طرفيها يقف في النقطة المحظورة، إلى أن تحطمت وأصبحت رفاتاً يغشوه الظلام الحالك لأن أصحابها حفروا لها مقبرة ما قبل الممات حتى ظلت تردد ذلك المثل الشعبي في أرجائها بقولها: «اللي ما يعرف الصقر يشويه».

وهنا تكمن المسألة في عدم إعطاء قيمة للتفاصيل الصغيرة والأمور والأحداث إلى أن يتم التهاون والاستخفاف بها، مما يجعلنا نتصدر البطولة في أفلام الهوليوود السينمائية الوهمية بإنتاج هزيل ونصوص ظلت جراحها تنزف ألماً حتى باتت تترجم بكلماتها عن قصة أشخاص أعمى التغافل أبصارهم حتى أصبحوا يمشون بعكازة القلق والندم، لأن تلك الأمور الحياتية التي لم يضعوها بعين الاعتبار بدأت تزهق أرواحها حتى باتت تعلق نفسها في حبل المشنقة!

إهدار قيمة بعض التفاصيل تجعلنا نفقد فرصة الاستفادة منها على نحو أفضل.

في الحقيقة الجهل بقيمة الشيء يجعلنا نصل إلى مرحلة من الاستهتار وفرد العضلات لإظهار الصورة وراء الستار التي توضح أننا نستطيع تجاهل بعض الأحداث المهمة في حياتنا دون إعطائها قيمة أو أهمية!

ولكن هنا ينقلب الأمر رأساً على عقب حتى يصبح تسلسل بعض الأمور والتفاصيل في خانة النهايات التي كانت هي الأساس للبدايات!

الاستهانة والاستخفاف بالجوانب المهمة في حياتنا يجعلنا نفقدها مع مرور الزمن، وتبدأ دموعنا تكتب بأقلامها الجافة مرثية مليئة بالحزن والأسى قائلة: «ألا يا قوم لو علمتم مكانتي في ترتيب الخانات لما جعلتموني أتصدر النهايات».

لكل منا رؤية مختلفة في إعطاء القيمة للجوانب الحياتية أو التنازل عنها، لأن كلاً منا لديه منظور مختلف ينظر إليه بزاوية مختلفة، فالبعض يشعر أن التفاصيل الصغيرة هي محور الكون لديه، فيعطيها قيمة عالية في حياته، والبعض يشعر أنه هو محور الكون بذاته!

غالباً يرى البعض الأشياء كما يريدونها وليس كما هي، فهو من يضفي القيمة للجوانب التي يصدقها، ويشعر أنها تصب لصالحه، في حين أن الجانب الآخر يرى أن وجودها ليس له أهمية على الإطلاق!

هذا يشير إلى أن الإنسان يستطيع أن يبني نظاما داخليا يتحكم من خلاله بإعطاء القيم للأفكار ومقارنتها، إما بجعلها من الأولويات أو من الممكن أن تكون بين الأرفف المهجورة إلى أن يسيطر الغبار عليها وتختفي في الهواء الطلق، فإما أن نوازن في إعطاء القيم بالطريقة الصحيحة وإلا يختل توازننا ونسقط في قاع عميق، حينها لن نجد من يعيد ترتيب لعبة التوازن تلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات