نجم الكتابة

فقدٌ ليس كأي فقد

تمضي الأيام مرتحلة، وبها الأحوال متغيرة، ويعيش الناس فيها بين حلاوة ومرارة؛ والذكريات لم تنطوِ، بل تبقى عالقة بالأذهان، تراودنا بين الفينة والأخرى، ونعيد شريط الذكريات ببطء، وقتها قد نبتسم، وقد تتساقط الدموع حرقة وحرارة، ومن أصعب هذه الذكريات فقد الأحبة، الذين كنا نعيش معهم أفضل أيام حياتنا.

والفقد مؤلم ومحزن، ويشتد عندما تفقد من كان يضحي من أجلك، ويبذل الغالي والنفيس، لكي يوفر لك حياة طيبة كريمة، بل يريدانك أن تصبح أفضل منهما، هما اللذان يفرحان لفرحك، ويحزنان لحزنك بكل صدق؛ وهما أكثر من يتفطر منه القلب ويعتصر «فقداً وشوقاً»، كيف لا ومن نودعه كان أباً أو أماً، كانا يسهران الليل لننام، ويضحيان بصحتهما لأجل راحتنا وسعادتنا؛ ما أصعب فراقهم وأشد الألم!

رحل أبي عن الدنيا قبل ما يقارب العامين، لكنه يعيش في قلبي، وقريب مني بدعائي وببري له بعد وفاته، رحمه الله، بالصدقة والدعاء، وغيرها من الأعمال، كان، رحمه الله، يأمرنا دائماً بفعل الخير، ومحبة الخير للغير، وكان يصطحبنا معه إلى المسجد لأداء الفروض، ويأمرنا أن نتزين بأحسن اللباس عند الذهاب لأدائها، وكان حريصاً جداً على ألا نصحب إلا الأخيار، الذين يدلوننا على الخير، ويحذروننا من الشر، فالآباء والأمهات يسعدون برؤية أبنائهم وبناتهم وهم يحققون النجاحات، ويتمنون أن يكونوا على الطريق الصحيح، الذي تربوا عليه منذ الصغر، من الأخلاق الفاضلة، والسيرة الحسنة، والخصال الكريمة، التي تقود الإنسان لمعالي الأمور.

والأب هو أوسط أبواب الجنة؛ فكيف للعاقل أن يفرط بباب من أبواب الجنة، يقول النبي ﷺ:«الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنَّ شئتَ فأضِع ذلك البابَ أو احفَظْه».

وأوصى رسول الله ﷺ بحسن صحبة الأم، وحث على برها والإحسان إليها واحترامها، وعدم رفع الصوت عليها، ومعاملتها بكل ما هو جميل، وقد روى أبو هريرة، رضي الله عنه في ذلك: أنه «جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ»، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأوصي إخوتي الشباب ببر الآباء والأمهات في حياتهم وبعد مماتهم، وأن يحسنوا صحبتهم ورعايتهم في حياتهم، وأن يحرصوا على برهم بعد وفاتهم، ومن علامات صلاح الابن أن يوفقه الله للدعاء لوالديه بعد وفاتهما، يقول النبي ﷺ: «إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم يُنتفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له»، فالسعيد من اتعظ بغيره، واعتبر ممن سبقه، وصحح المسار، وسار على الطريق المستقيم مع الأخيار، فإن الآجال محسومة، والأعمار معلومة، والأنفاس معدودة، فما أجمل الإنسان عندما يراجع نفسه في معاملته مع الآخرين لا سيما الوالدان، اللذان هما أحق الناس بالمعاملة الحسنة، والترفق بهم والإحسان إليهم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات