مجزرة الثرثرة

الصمت هيبة في زمن كثر به ضجيج الثرثرة، حتى أصبح البعض يتفنن في كثرة الكلام غير المنضبط ويحشر أنفه فيما لا يعنيه، وكأنه يحمل على عاتقه شهادة دكتوراه في الفلسفة وهو في الواقع يسير أينما تحمله الرياح وحينما يجد من يعارضه في المسألة يبدأ بتجهيز سيناريو يغشوه الحزن والبراءة بقوله:

«كلمة الحق لا أحد يريد سماعها»، أصبحت تلك المقولة كالحجة التي يرمون بها في حال واجهوا من يخالفهم في مسألة ما. في الثرثرة خروج عن الحد المسموح به من الكلام. لا تضع نفسك في موقف محرج حتى لا يأتيك الرد الصاعق من جلساؤك بقولهم «أكرمنا بسكوتك» فقد آلمت رأسنا بحديثك الذي لا ينتهي، في الحقيقة لو كان لدينا زر توقيف لأوقفنا ألسنتهم عن التحدث مجدداً. 

كثرة الكلام تخرج الشخص عن إطار الحد المناسب والمنطقي للتحدث ضمن نطاقات الحديث المختلفة حتى تتحول تلك الصفة إلى عادة يدمن البعض عليها.

واللافت في هذا الأمر أن هؤلاء الثرثارين هم أناس لا يضبطون ألسنتهم ولا يصغون لعقولهم؛ لأنهم يدركون أن ثرثراتهم هي الأساس لجذب أضواء الشهرة عليهم، لذا تجدهم يتحدثون عن كل ما لا يخطر في ذهنك! تارة تجدهم في الندوات، وتارة أخرى تجدهم في المجالس يهذون في كل أمر ويجعلون أنفسهم محط السخرية.

ومن صفات الشخص الثرثار أنه لا يستطيع أن يجلس في مكان ما إلا وقد تقمص شخصية العالم والخبير في كل شيء، فلا يصعب عليه أمر فهو بإمكانه أن يصبح طبيباً مختصاً بأمور الطب كيفما أراد، معلماً مختصاً بأمور التعليم، شاعراً يغرد بأبياته الشعرية وكأنه عنترة بن شداد. فلا يوجد في هذه الحياة شيء إلا وقد أصبح خبيراً به. فمنهم من يثرثر لجذب الانتباه أو لتسليط الضوء على اسمه، ومنهم من يستخدم أسلوب الثرثرة لتعويض نقص ما في شخصيته. 

الصمت فن لا يتقنه إلا القليل فكما قيل: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، ولكن هل يستطيع الشخص الثرثار فهم ذلك؟! فهو يجول بحبل أفكاره المبهمة إلى أن يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها أن يغمض عيناه قبل أن يؤدي دوره المفعم بالتهريج والتخريف. التحدث دون وضع كوابح يجعلنا نغرق في دوامات تملؤها علامات الاستفهام. قد يصنع الصمت ما لا يصنعه الكلام فالصمت قوة في هذا الزمن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات