محطة القطارات

في الثامنة مساءً بتوقيت دبي، ومن دون سابق إنذار رن المنبه، أقصد رن الهاتف، فإذا ابن خالتي يبلغني بتخطيطه لزيارة قارة العجوز، كان العرض ساخناً حينها كحرارة الطقس، مما دعاني لقبول هذه الهدية المقدمة على طبق من ذهب.. مخطط الرحلة كالآتي، الانطلاقة من المدينة الذهبية براغ وصولاً لبرلين وهامبورغ الألمانية، والختام في أمستردام الهولندية، وكما يقولون: "اللي أوله شرط آخره نور".. وضعت شرطاً لصديق الرحلة بأن التجوّل بين المدن من خلال القطارات فقط! حيث أحبذ زمالة الكتب في كل رحلاتي.

بدأنا بحزم الأمتعة، وقصت الناقلة العملاقة العالمية "الإمارات" شريط الرحلة للمدينة الذهبية براغ التشيكية، وهي من المدن القليلة التي لم تصبها مدافع الحرب العالمية الثانية كثيراً، بمجرد هبوطنا لقارة العجوز غمرنا هواء نقي صافٍ مفعوم برائحة التفاؤل والإيجابية، في براغ لا بد من تذوّق الكعكة التقليدية المحلاة الشهيرة "التردلنيك"، التي تتخذ من المخروط شكلاً لها، ولا بد من المرور عبر جسر تشارلز العريق الذي يعود نشأته إلى القرن الـ 14.

وفي طريقنا إلى بلد الماكينات "ألمانيا" عبر القطار، تعرفنا على قيادية بريطانية (والتي اشتعل رأسها شيباً)، عملت في طيران الاتحاد لمدة 7 سنوات، ما لفت انتباهي أن تلك القيادية تستغل كل ثانية من وقتها سواء في الحوار مع زوار القطار، أو قراءة الكتب، أو المضي على مستندات الشركة التي تديرها بنفسها، هي تدرك جيداً قيمة الوقت الذي يلعب دوراً كبيراً في حياتنا، تلك العجوز أعطت درساً مجانياً لكل من يظن أن للنجاح والتألق عمراً معيناً.. ألم أقل لكم أن التنقل في القطار لها متعته الخاصة مع حكاياته التي لا تتوقف أبداً.

في العاصمة الألمانية برلين، بدأنا الرحلة في حديقة تايرجاردين، والمشي فيها لا يضاهيه شيء آخر، غابة من الأشجار حولنا، والجداول المائية المزهوة بالبط، والسماء ملبدة بالغيوم السوداء، ومنها انطلقنا لبوابة برادنبورج التاريخية، التي يكتظ فيها السائحون من كل صوب وحدب، عند وصولنا للبوابة اتجهت فوراً للمقهى المفضّل لي "ستاربكس"، أينما رحلت وارتحلت لا بد من زيارة "ستاربكس".

في مدينة القنوات المائية الهامبورغ، مررنا بجانب نادي هامبورغ، والمميّز فيه ساعة النادي التي تتضمن عدد السنوات والأيام والدقائق التي لعبها النادي العريق في الدوري العريق "بوندسليجا"، إلا أن الساعة توقفت عن العد بعد هبوط الفريق لمصاف أندية الدرجة الثانية.

المحطة الأخيرة في محطة القطارات محطة أوروبا هي هولندا.. في هولندا ما عليك سوى اقتناء دراجة هوائية، والتي تعتبر المركبة الرئيسية في البلاد.. الشوارع منظّمة للدراجات الهوائية، وتذكرني كثيراً بشوارع دبي، التي هيأتها هيئة الطرق والمواصلات بدبي بشكل منظم، والمميّز في بلد الطواحين الاهتمام بالزهور حتى في أضيق زاوية في البلد، أتذكر عند تناولنا الغداء في أحد مطاعم الوجبات السريعة، رأينا الزهور منتشرة حول المطعم، بل وُضعت لافتة موجهة للجمهور بسقي الزهور! تذكرني كثيراً بجهود بلدية دبي، التي تعمل جاهدة على توسيع الرقعة الخضراء في دانة الدنيا دبي.

محطتي الأخيرة كانت في استاد أعرق الأندية الهولندية والأوروبية "أياكس"، صاحب 5 بطولات كأس أبطال أوروبا، أو كما تسمى بذات الأذنين، أياكس من أنجبت أساطير هولندا، وأشهرهم على الإطلاق يوهان كرويف، الذي سمي لاحقاً الاستاد على اسمه، كرويف الذي يتغنى به كل شعب أمستردام، في أياكس تجد أهداف الراحل "كرويف" وذكرياته مطبوعة على الجدران واللافتات.

محطة القطارات من أجمل محطات حياتي وأكثرها قيمة.

السفر فن وثقافة، قليلون من يدركون هذا للأسف!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات