عظمة التواضع

كعادتي بعد الانتهاء من العمل، الذي أضع فيه كل جهدي وطاقتي، أتوجه إلى أقرب مجمع تجاري في ديرة للجلوس في مقهى واحتساء القهوة متأملاً لما هو ماضٍ، ومخططاً لما هو قادم، هذه المرة توجهت إلى مملكة مردف (إحدى ممالك دبي البهية)، لزيارة خالتي العزيزة د. فاطمة المدني في عيادتها "صحتي"، جلسنا نتبادل أطراف الحديث، ومنها تسترجع هي ذكريات الماضي، حيث باحت لي ببعض تفاصيل حياتها، على الرغم من إكمال رحلتها الجامعية في الخارج وصولاً إلى الحلم الذي يراودني منذ الصغر "شهادة دكتوراه" من المملكة المتحدة بريطانيا وتحديداً في بلاد الغال "ويلز" بجانب إمكاناتها الطبية الهائلة، إلا أن التواضع دائماً مرسوم على شفاهها، فتراها تبتسم دائماً بين حين وآخر عكس أولئك الموظفين المنتفخين الذين يتباهون بشهادة "لا تودي ولا تييب" (كما نقول باللهجة العامية) أي لا قيمة لها ولا نفع فيها، ومع ذلك نرى الغرور في مشيتهم، ونشاهد التعجرف من نظراتهم، ويتحدثون معنا من أنوفهم كأنهم جنوا شهادة من المريخ!

كم من شخص تراه يتكابر علينا وهو لا يملك شيئاً! رأسماله رقم لوحة مميز وسيارة فارهة يعود الفضل لاقتنائها إلى المصرف الذي يرحب فيه كل وقت مودعاً مبالغ طائلة في جيبه، وهناك من تغيّره المناصب، فبمجرد الوصول لكرسي المدير ينسى أحبابه وأصحابه الذين وقفوا معه وقفة نبيلة، بل سطروا أروع ملاحم الإيثار، وشكلوا حصناً منيعاً لكل من يرمي أحجار الدمار تجاهه، إلا أن صاحبنا لا يأبه بخطوط الدفاع تلك، واضعاً نصب عينيه ثروته فقط.. كثيرون من يتغنون بالمال متناسين أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس.

آه كم علينا أن نتذرع بصبر لا حدود له مع هؤلاء الذين يتدخلون في حياتنا، ويتطفلون علينا من كل صوب وحدب غير مكترثين بما ينتظرهم يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كم علينا أن نتحمل عبء التكبر والغرور، الذي أصبح لا يطاق.

يجب علينا أن نؤمن بالتواضع كل الإيمان، فهي الصفة الرئيسية التي تقود إلى ما تبقت من الصفات الإيجابية التي يجب على الفرد أن يتحلى بها.

التواضع بحر غزير قطراته، يصل لمن بلغ صفة التواضع، لكن كم من متواضع تلطخ بطحالب الطمع والجشع حتى بات متكبراً.

تذكر دائماً "من تواضع لله رفعه"، ومهما ظننت بأنك كبير، فهناك من هو أكبر منك.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات