النعم وحشية!

لقد شكونا الزحام في حياتنا حتى أصبحت البرامج والمشاريع والأنشطة كلها تتحدث عن الراحة النفسية للموظف، والتوازن للأم العاملة، وكيف نحافظ على علاقتنا الأسرية، وكيف ندير أوقاتنا بنوعية، ولقد كنا نتذمر من الازدحام وسرعة الحياة التي سيطرت على نمط حياتنا، فكان لا بد من استراحة.

إنها استراحة المحارب التي نحتاجها بين حين وآخر، وقد جاءتنا إلزامية، فأولى بنا أن نعيشها بكل تفاصيلها، لأنها ستكون أياماً نقول عنها: كانت أياما!

تبدأ بنفسك من الداخل.. تبحث عن غذاء روحك قبل كل شيء.. تغذيها، وتربت عليها بكل ما تملك من قوة، هذه الروح التي تمر علينا الأيام ولا نلقي لها بالاً تستحق الرعاية، تستحق أن تسقيها بماء الذكر والعبادة والاتصال بخالقها، ثم تنتقل إلى جسدك الذي له حقٌ عليك، وآن له أن يستريح بعد الركض الطويل! وأطفالك وأفراد أسرتك الذين تشعر بالتقصير حيالهم أياماً وأياماً بسبب انشغالك بالعمل وحفاظاً على مظهرك العام، اترك لهم مكاناً في قائمتك.

ثم ماذا؟  ما زالت القائمة طويلة..

كنت تتغنى بقائمة هواياتك وطموحاتك التي تسعى لتحقيقها، ها قد آن أوانها فتكون انطلاقتك لمرحلة جديدة من حياتك.

لقد كنت تحلم أن تكتسب عادة جديدة وتترك عادة أخرى، وحان الوقت المناسب.. أنت لا تحتاج سوى واحد وعشرين يوماً لذلك، ونيّة صادقة للوصول. دعك من حديث الناس وتعداد الأزمات وعد المصائب والتركيز على المشتتات، لقد جاء هذا الوقت لتستوعب من أنت؟ هل تعرف من أنت؟ اسأل نفسك وستكون المفاجأة!

في بداية كل عام، تضع أهدافاً شخصية ووظيفية بغية الوصول والتحقيق والإنجاز، فتتعثر أحياناً بعد شهر أو شهرين، ولا تحقق إلا هدفاً واحداً أو اثنين، وتلقي باللوم على فلان وفلان، لأن أهدافك الباقية لم ترَ النور، ولكن الحقيقة التي يجب أن تدركها يا صديقي أنك مسؤول عن نفسك، وليس لأحدٍ سلطة عليك أبداً! والحقيقة الأهم أنك إنسان مكرّم بفضل الله عليك، ولا يليق بك سوى ذلك، فلا بد لك أن ترتب أولوياتك حسب قيمك لا قيم الآخرين وإن كانوا أقرب الناس لك.

إن الازدحام الذي ملأ حياتك وكنت تحاول الهروب منه مراراً قد توقف، ولم يبقَ سوى الزحام الذي بداخلك، وتحتاج الآن أن تهدأ، فيصمت ما بداخلك لتكمل المسير. لقد أصبحت الحياة فطرية خالية من الضوضاء الذي جعلك تمشي بلا وعي، وكان لا بد من وقفة ليعود هذا الوعي بشكله الصحيح، وتدرك تماماً قيمة كل شيءٍ تملكه في حياتك.. قيمة الهواء الذي تستنشقه، والخلوة التي تشتاق لها، والأسرة التي لا تراها سوى ساعات قليلة، والأصحاب باختلاف درجات قربهم منك.. إنه قرارك وحدك في الشعور بقيمة الأشياء من حولك، وقرارك وحدك في استذكار النعم وشكرها لضمان بقائها بين يديك. لقد قال أحد السلف: النعم وحشية، فقيدوها بالشكر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات