معاناة أدق التفاصيل

ت + ت - الحجم الطبيعي

أجل هي معاناة، وقد يتعجب البعض أن الاهتمام بالتفاصيل يصبح في مرحلة ما معاناة، تستنزف من صاحبها الكثير من الوقت والجهد، ويبقى معظم الأحيان يدور في متاهة كبيرة ليعود لنقطة البداية منهك القوى دون ربح أي خطوة إضافية في الإنجاز. البعض يعتقد أنه كلما تعمق ودقق في تفاصيل التفاصيل فهو بذلك يجعل عمله أكثر إتقاناً وأكبر إنجازاً، لكنه لا يعلم أنه ليس كل الأعمال وكل الإنجازات تتطلب هذا العمق من تحري التفاصيل.

وهنا لا أقصد طبيعة عمل معين، لكن كذلك الأمور الحياتية وعلاقاتنا، فالبعض في العلاقات خاصة يضع الشخص تحت وطأة الكثير من التحليلات والمعتقدات والتخمينات ليحكم بها على هذه العلاقة. والبعض الآخر يدخل كل حرف ينطقه الآخرون أو حتى لغة أجسادهم إلى جهازه الخاص بالتحليل ليحلل حتى أنفاسهم. وكأنهم مجرمون يحقق معهم في تحقيق فيدرالي.

دائماًً ما أذكر مثالاً لهذا وهو قصة سيدنا موسى – عليه السلام – مع بني إسرائيل وذبحهم للبقرة. فقد أمرهم الله بذبح بقرة، لكنهم ما زالوا يسألون عن كل تفاصيل البقرة ومواصفاتها إلى أن صعبوا على أنفسهم إيجادها وكان ثمناً غالياً جداً للحصول عليها.

نعم أغلبنا يحب أن يتقن عمله ويجعله في أتم صوره وكماله، وهذه وصية رسولنا الكريم، لكن انوِ واعمل بجهد واتقن هذا العمل دون أن تضع نفسك بين حصى الرحا، خذ الأمور ببساطة ويسر وسهولة، وهذا لا يعني الاستهانة أو الاستهتار بها، لكن التوازن بين هذا وذاك هو ما سيوصلك إلى بر الأمان وقمة الإنجاز.

وأخيراً نصيحة من مجرب وأنا متأكدة أن أغلبنا كان مجرباً أيضاً، إن إتقان العمل لا يعني أبداً أن أدخله تحت عدسة التكبير، فالصورة لن تكون أوضح كلما كانت قريبة من أعيننا، بل ستتضح بشكل أجمل وأفضل كلما ابتعدت وكلما اقتربت تلك التفاصيل من بعضها البعض.

 

طباعة Email