اللغة العربية إلى أين؟ 37

ت + ت - الحجم الطبيعي

بدأت أشعر وأنا أناقش بعض كبار القوم في موضوع اللغة العربية أنهم يميلون إلى وصفي بعدوّ التقدم العلمي والتكنولوجي، لأن دعوتي للتمسّك باللغة العربية تتعارض مع مسيرة التطور التاريخي المحتوم، فهذا التطور له لغة أخرى غير اللغة العربية العاجزة عن مسايرة هذا التقدم العلمي العالمي. وهم يقولون بصراحة: الهوية ليست لغة.. الهوية علم وتقدم، نحن نريد أبناءنا وبناتنا علماء تكنولوجيا لا علماء لغة، بلادنا تحتاج إلى التقدم العلمي ولا يعنيها ما هي لغة هذا التقدم.

ولعلّ مثل هذا التفكير ومثل هذا التوجّه هو أخطر ما تواجهه اللغة العربية من تحديات، وإلى هؤلاء الإخوة الأعزاء أقول: أنا لست ضد تعلم أبنائنا وبناتنا اللغة الإنجليزية، بالعكس أنا أرى أن تعلم اللغة هو ضرورة، ولكن ما هو الضرر إذا أتقن أبناؤنا وبناتنا اللغتين الإنجليزية والعربية؟ هل تخلت الشعوب المتقدمة عن لغاتها وهي تسلّح أبناءها وبناتها بالعلم والتكنولوجيا؟

كان لدينا علماء عرب في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء وكانوا يتقنون لغتهم العربية التي أوصلتهم إلى التسلح بالعلم والمعرفة بالإضافة طبعاً إلى اللغة الإنجليزية.

هل تخلّى الألمان عن لغتهم وهم يسابقون الزمن في تحقيق الإنجازات العلمية التي تخدم الإنسانية وهل يريد هؤلاء الإخوة أن تكون لغة العالم الوحيدة هي الإنجليزية للوصول إلى العلم والتقدم ؟

إليهم أقول بكل هدوء وموضوعية: لغتنا العربية قادرة أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا إن جعلنا جميع العرب يتقنونها، أما عندما نساهم في تجهيل أجيالنا الجديدة بلغتهم ونجعلهم لا يتحدثون حتى مع الأهل بغير الإنجليزية فإن هذا ضد الهوية وضد الشعور بالمواطنة الإيجابية.

يقول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله متحدثاً باسم اللغة العربية:

وَسِعْتُ كِتَــابَ اللَهِ لَفظــاً وَغــايَــةً

                وَما ضِقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظــــاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ

                وَتَنسيقِ أَسْمَـــــاءٍ لِمُختَرَعَــــاتِ

فَيَا وَيْلَكُــمْ أُبلى وَتَبلى مَحَــاسِنــي

                وَمِنكُــم وَإِن عَـزَّ الدَواءُ أَسَــاتِـي

فَلا تَكِلُـــونِــي لِلزَّمَــــــانِ فَـإِنَّنــي

                أَخَــافُ عَلَيكُــمْ أَنْ تَحِيـنَ وَفَـاتِـي

وللحديث بقية.

 

طباعة Email