من أنت؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما كنت استمع لإحدى الحلقات الخاصة بأحد المفكرين، وسأل سؤالاً في البداية، اعتقدت أنه قصد به المزاح، لاعتقادي بسهولة هذا السؤال، وأنه عفوي، والجميع يعرفون إجابته، حتى الطفل الذي لم ينطق بعد؛ إذ طرح ذلك المفكر السؤال التالي: من أنا؟ ووجهه للآخرين، وقال: من أنت؟

هنا بدأت أفكر فعلياً هل أنا كما توقعت، اسمي، نسبي، جنسي أم جنسيتي، أم شهاداتي وتعليمي، أم عملي، أم أبنائي، ربما مالي ومشاريعي، أم هو شكلي وملبسي ومسكني، أم عدد الدول التي سافرت إليها، أم ذلك اللقب الذي يسبق اسمي.

من أنا؟ وسط كل هذا الزحام. فجأة رحلت بعمق كبير. عمق يعيش معظمنا بعيداً عنه، أو ربما حتى لا نعلم أنه موجود. وهذه حقيقة وواقع، فنحن نتسابق ونجتهد لتعزيز تلك الـ«أنا» بكل ما ذكرته، ونعمل ليل نهار لإثباته لأنفسنا أو المحيط، بشكل أو بآخر، بأن يكون كل أو معظم تلك الأمور هي ما تشكلنا أو تعرف بنا، فيكون أنت وأنا فلان ابن فلان، الذي يعمل في تلك الشركة، ويملك هذا وذاك، وله من الأبناء والأملاك وغيره الكثير. فهل فعلاً هذا ما يحدد من نحن في الحقيقة.

اليوم، وبعد مرحلة لا بأس بها من الوعي، أرى أن كل هذا ليس أنا، لأننا دوماً نجعل تلك الأشياء والأمور تحدد قيمتنا بين الآخرين، وتحدد كيف يجب أن يرونا، ويحكمون من خلالها علينا، ويحددون من نحن. لكن كل ذلك مجرد شيء من حياتنا وجزء من شخصيتنا، لكن ليس نحن الحقيقة. أنت في داخل ذلك العمق النواة التي تحقق كل ذلك، بقيمك وروحك وأخلاقك، فكل شيء تكتسبه من هذه الأمور هو مثل طبقات لحاء الشجر، تكسوك وتغلف ذاتك الحقيقية.

فالحقيقة هي أنت. تلك الروح الطاهرة والنواة في داخل كل هذا، فلا تتيه في دروب الحياة وتعتقد إن ما تكتسبه فيها هو أنت الحقيقي.

طباعة Email