الأمنيات المدفونة

ثمة أشياء كثيرة قد يتمناها المرء، لكن «ما كُلُّ ما يَتَمَنَّى المَرءُ يُدرِكُه»، كما قال أبو الطيب المتنبي، لذلك أصبح لدي أمنيات كثيرة وضعتها في صندوق، أحمله أينما ذهبت، لكن الصندوق اهترأ ولم يعد يتسع للمزيد من الأماني، ولم يكن ذلك ليوقف الأمنيات من التدفق فهي على أي حال مجانية، وهكذا مارست كل أنواع التمني، حتى أصبح لدي غرفة مليئة بالصناديق التي تحتوي على كثير من الأمنيات التي تنتظر التحقق، فعملت بكثير من الصبر والجهد والعمل من أجل تحقيقها، لكنها كانت تبقى جامدة لا ترغب في مغادرة تلك الصناديق، مرت الأيام والسنون، وكبرت وكبرت تلك الأماني، وفجأة وجدت نفسي في مواجهة مع الزمن، يا إلهي، نكبر ونكتشف أن كثيراً من أمنياتنا وأحلامنا لم تتحقق، ما أصعب أن يموت الإنسان ولم يحقق أمنياته!

عدت إلى غرفة الأمنيات وفي رأسي رغبة عارمة في تحقيق ولو أمنية واحدة صغيرة، وقفت مذهولاً، فقد غطى الغبار كل الصناديق وكل الأماني، في تلك اللحظة قررت إجراء عملية جرد قبل نهاية العام، تهت بين الأماني البعيدة، نسيت بعضها بحكم التقادم، وحملني بعضها لأهيم بين الغيوم أفتش عن العمر الذي ضاع شوقاً وأملاً وانتظاراً، جلست أتأمل تلك الأماني، كثير منها بدون تاريخ انتهاء الصلاحية، بعضها يحتاج إلى مزيد من الصبر وطول البال حتى يتحقق، لكنني في تلك اللحظة شعرت بأنني أحمل قلباً عجوزاً قليل الصبر، فتخلصت من بعض الأمنيات ودفنتها، ولم تطاوعني النفس للتخلص من البقية، ترى هل آن الأوان للتوقف عن التمني!

دار بخلدي أن الاستسلام للمشاعر السلبية حتماً سيقضي علينا، لا بد أن التوقف عن التمني سيُشعرنا بتوقف الحياة، من لا يتمنى يقترب من الموت، فقد تبدو الأماني مرادفة للحياة، الأحلام والأمنيات قد تمنحنا شيئاً من المشاعر والترقب، وذلك ما يقودنا مجدداً للتمني وممارسة الأحلام، الأماني محرك خفي لحياتنا، يقال إن النجاح يعتمد على أحلام اليقظة، إننا بحاجة إلى مزيد من الأماني، إذا لم تتحقق الأمنيات فربما يكون ذلك لأن الله أراد لنا الخير في أمر آخر، فالقدر يحقق لكل منا أمنياته لكن كل بطريقته.

إن الحالمين أقوياء، يقتاتون من الأمنيات والأحلام، إنهم قادرون على السير في طريق تحقيق الأماني، ويعملون بجهد لتحقيقها، وربما تكون أول خطوة لتحقيق الأمنية هي أن يتم تحويلها لتصبح هدفاً، الإصرار والسعي بجهد وجد من أهم العناصر التي تساعد على تحقيق الأماني، نفضت الغبار عن أمنياتي، ورتّبت الصناديق لإيجاد متسع للمزيد من الأمنيات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات