سفر فطري

قد يكون الترحال في عصرنا الحاضر نوعاً من الترف بالنسبة للبعض، غير أنه ليس كذلك دائماً، فمنذ البداية كان الإنسان يجوب الأرض بحثاً عن الرزق وعن حياة أفضل، أو من أجل تحقيق الذات أو مطاردة الأحلام، السفر سلوك فطري لدى البشر، بل إنه ممارسة طبيعية منذ القدم، وكان واضحاً في الحضارات القديمة، تماماً كما هو الآن لدى المهاجرين الذين يبحثون عن حياة أفضل ويتجشمون المخاطر من أجل الوصول إلى الجنة كما تصوروها.

في العصور القديمة كان المهاجرون هم الذين يبنون المدن، وهنا في شمال أفريقيا بنيت هذه المدن على سواحل البحر المتوسط كمراكز حضرية في طريق القوافل التي كانت تعبر عبر العصور، وتعاقبت العديد من الحضارات على هذه المنطقة، بل إن ثروات هذه الأرض وأهمية موقعها الاستراتيجي في قلب حوض البحر الأبيض المتوسط جعلتها بيئة جاذبة، فوصلها الفينيقيون في عام 1101 قبل الميلاد للتبادل التجاري، وهو ما فتح لها الأبواب لدخول التاريخ، لكن تأسيس قرطاج عام 814 ق.م. كان البداية الحقيقية لدخول شمال إفريقيا القديم في خضم أحداث التاريخ من ناحية التأثير على المستوى الحضاري، بل إن اسم قرطاج أو قرطاجنة انتشر في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

العرب الفاتحون كان أيضاً لهم دور في هذه الأرض التي كانت معبراً لكل الطامحين باستكشاف العالم وكل الرحالة في طريقهم بين المشرق والمغرب، وهو ما أحاول السير عليه الآن، ودار بخلدي، قد نسلك أحياناً دروباً ليست لنا، وقد نتخبط أحياناً، أو نضيع في مسارات الحياة، بل وقد نتعثر كثيراً ونسقط في حفر الطريق، لكننا نصمد ونبدأ من جديد، لأننا نسير من أجل تحقيق هدف أو مطاردة حلم، متشبثين بالقيم وبالأخلاق التي ترسم لنا الطريق، ذلك لأنك في السفر لا تمثل نفسك فحسب، بل تمثل مجتمعك ووطنك وعائلتك، أنت سفير لوطنك، تسافر محملاً بتراث أسلافك وبمنظومة أخلاقية وخلفية ثقافية وحضارية عليك أن تحافظ على كل ذلك، بل وتساهم بشكل إيجابي في تعزيزه حضارياً.

في تلك اللحظة انتبهت إلى أنني لم أنجز الكثير من أهداف ترحالي وتجوالي، وقد وجدت نفسي محتاراً، فقد انتهى وقت الترحال ورحلتي لم تنته، ما زالت أمامي مدن عربية كثيرة لم أزرها، ولكن المسألة تراكمية على أي حال، فقيمة الإنسان بتجاربه وبمخزونه المعرفي، وقيمه ومبادئه، وكلما أضاف إليها ارتقى، لكن الآن قد حان الوقت للعودة إلى الوطن، من أجل مواصلة مسيرة البناء والعمل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات