مدن المساء

عندما يكون الترحال عشقاً أبدياً قد لا تكون هناك حاجة للخطط أو الاستعداد للسفر، لا شيء سوى حقيبة تكدّس بها أحلامك أو أوهامك، وترحل محمّلاً بالأمل وبروح المغامرة، وتجوب المدن بلا هدف سوى ممارسة السفر للانطلاق نحو الحرية والانعتاق من حالة الجمود والرتابة التي باتت جزءاً من يومياتك البائسة.

وهكذا، وجدت نفسي في مقهى متواضع على زاوية تطل على شارع الحمرا في بيروت، المكان يضجّ بأصوات الزبائن، وبضجيج السيارات التي تسير ببطء في الأزقة الضيقة بين المباني، رائحة القهوة والدخان المفعم بروائح «المعسّل» المنبعثة من قوارير «الأرجيلة» تعبق المكان، تعجبني الرائحة ويزعجني الدخان، وهو ما دفعني للجلوس في المقاعد التي وضعت على قارعة الطريق، الوقت لا يزال مبكراً من هذا المساء الجميل، والتيارات الهوائية القادمة من جهة البحر تحمل نسمات لطيفة تجعلك تشعر بأنك تسبح في الهواء، شعرت بأن البحر يناديني، تركت المقهى وتتبعت مصدر التيارات الهوائية ورائحة البحر.

وصلت إلى الكورنيش، المكان يضجّ بالحيوية، الناس يتجولون هنا، يمشون أو يمارسون الرياضة، كورنيش بيروت يعدّ أروع واجهة بحرية في لبنان، ربما بسبب إطلالاته الرائعة على مياه بحر الأبيض المتوسط، وربما لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن تسير فيه في أي وقت من اليوم، وربما ذلك هو السبب الذي يجعل السيّاح يفضّلونه، في الجهة المقابلة توجد مطاعم ومقاهٍ، لكنني تجاوزتها إلى أن وصلت إلى منطقة صخرة الروشة، توقفت قليلاً لتأمل الصخرة التي تقف شاهداً على عراقة هذا المكان، يعود تاريخ إنشاء الكورنيش إلى فترة الانتداب الفرنسي على هذه الأرض لكن صخرة الروشة وجدت منذ الأزل، الفينيقيون عاشوا هنا، وربما كانت هناك حضارات قبلهم استوطنت هذه المناطق، وفي كل مرة أزور فيها لبنان لا بد من أن أمر على هذه الصخرة، لاستعادة الذكريات الجميلة، وفي تلك اللحظة ظهرت على سطح ذهني مجموعة صور رائعة من رحلات سابقة.

قطعت حبل أفكاري، بائعة مسنّة تبيع نوعاً من الخبز، قالت إنه كعك بيروتي، رائحته لذيذة، اشتريت منها واحدة، وعلى مقربة منها كانت هناك فرقة جوّالة تعزف أغاني فيروز ومواويل صباح فخري جعلت الجمهور يتفاعل ويتمايل على الأنغام الجميلة.

عندما توقفت الفرقة عن العزف، مشيت قليلاً فوجدت بضعة رسامين جائلين، لوهلة شعرت بأنني أمام مشهد متكرر من على نهر السين في باريس، توقفت أمام الرسامين أراقب إبداعاتهم الرائعة، ومهاراتهم في الرسم السريع، واصلت مسيري على امتداد الشارع حتى وصلت إلى مقهى مطل على البحر مباشرة حيث أمضيت بقية المساء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات