قلبك أبيض

«خلِّ قلبك أبيض»، جملة تميز أصحاب القلوب الطاهرة، التي لا تعرف الحقد والقسوة، طلب نطالب به العديدين ممن ارتأينا فيهم مميزات وصفات للعفو والتسامح. نقاء القلوب صورة وانعكاس لنقاء الأرواح والعقول، يمر الإنسان خلال حياته بالكثير من التجارب والمواقف، التي ربما يتعرف فيها لشعور الفقد أو الظلم أو الخيانة، وتتراكم مع الوقت بداخلي غيمة سوداء، تخفي نور النقاء ودرب الغفران والتسامح بداخله.

لكن لنقترب لنفتح الباب، لنرى خلف كل هذه المشاعر، فالبعض يقف مكتوف الأيدي مستسلماً لكل ما يمر من خلاله من مشاعر، حتى تتغلغل القسوة والظلمة به، فلا يعود يفرق بين قريب أو صديق، ويصبح التسامح أو العفو عنده، رسالة ضعف واستسلام، والأقوى من ذلك، تصبح صورته أمام الناس وما سيقولونه عنه هي الأهم، فكرامته فوق كل شيء، وتسامحه ضعف، وعفوه استسلام.

أين كل هذا من ديننا ونشأتنا ودستورنا الإلهي، فالله تعالى هو الغفور الرحيم لكل أمرك أيها الإنسان، ورسوله الكريم عفا وصفح عن ما أساؤوا إليه، وتفننوا في أذيته وأذية المسلمين، هي الفطرة أن نسامح، هي الفطرة أن يكون النور في قلوبنا هو الأساس. فأعظم ظلام يبدده نور شمعة صغيرة. ونقاء القلوب ليس ضعفاً أو سذاجة، كما يعتقدون، بل هي فطرة ميز بها الله من أحب.

وتخيل نفسك تحمل كأسا مليئة بالحليب الأبيض، وفي كل لحظة تشعر بها بألم أو تمر بموقف تجاه شخص أو شيء، تضع حفنة من تراب أسود به، كيف سيكون، ومع الوقت سيفيض ويمتلئ. أو أن تملأ كيساً بالأحجار لكل موقف، وتبقى تحمله معك في كل خطواتك، وحياتك، سيزيد حملك ويثقل عليك حمله، اسأل نفسك سؤالاً مباشراً «هل أنا أستحق، أن أفعل بنفسي ما أفعل»، وتذكر أنك محاسَب عن هذه النفس.

تقبل الآخر كما هو، وتقبل المواقف الصعبة، وخذ نفساً عميقاً، وتدبر عظمة الرحمن أن أنعم علينا بصفاته، فاصفح صفحاً جميلاً، أي سامح نفسك، والآخر والمواقف، وادعُ بالخير لمن ظلمك، فهذا أعظم صفات التسامح. لا أقول إن الأمر بسهولة قوله، لكن من وكل أمره لله بيقين، سهل الله أموره.

«خلِّ قلبك أبيض»، فالبياض نور ساطع، يعكس كل لون جميل للعالم حولك، ويملأك بالنور من داخلك، اختر وقرر وكن أنت من يبدأ. الحياة قصيرة، ولا وقت فيها لنملأ قلوبنا بالسواد، ونضيع بهجة الحياة فيها بسلام، دع الخلق للخالق. ولنبادر ونرسم صورة جميلة، تحمل أسمى الأخلاق بالتسامح والعفو، والصفحات البيضاء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات