أيام الطيبين

خلال تجمع جميل، وبعد مجهود رائع بذلناه كفريق متكامل في العمل التطوعي، توجهنا إلى حيث تطيب النفوس به مما لذ وطاب، ورشحت لي صديقتي أحد أنواع الحلوى، وعندما تذوقتها صرخت فرحة، وقلت لها «مال أول»، فسارعت لتقول لي نعم، إنها من أيام الطيبين. استوقفتني هذه الكلمة، وكان صداها مدوياً بداخلي، فلم تمر مرور الكرام.

سؤال بقي حائراً بداخلي، بسبب ذلك الوصف «أيام الطيبين»، كثيراً ما نسمع هذا الوصف لكثير من مواقف وأحداث، تجعلنا مرتبطين بشكل كبير بهذا المسمى. جيل الطيبين، تلك الحقبة في فترة السبعينيات والثمانينيات، بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.

من تلك الحلوى والعصائر، إلى أفلام الكرتون التي نعشقها ليومنا هذا، وبمجرد ذكر أي اسم منها، تتراقص في أعيننا فرحة وشقاوة الطفولة، عشنا مع أخلاقياتها، وآدابها، ونهلنا منها الكثير، كانت مختلفة في المحتوى والمضمون، كل يوم كانت تزيد ثقافتنا ومعرفتنا للأمور بشكل صحي وصحيح.

كل شيء كان في موعد محدد، تعلمنا معنى الانتظار والتشويق، تعلمنا أن جدولنا اليومي تحدده الأمور الأخرى في حياتنا، كان لكل شيء نكهته المميزة. تعلمنا من «السنع» أداب وعادات «الأولين»، في التحية والحضور والكلام والإنصات. كثيرة الأحداث والتفاصيل لأيام الطيبين.

أيام الطيبين، هل فكرنا لماذا سميناها بأيام الطيبين، لم التصقت صفة الطيبة واللطف والبراءة بكل شيء فيها، لم كانت المتعة أكبر والتشويق أكثر، لماذا لم ننسَ أياً من كل هذا، وعاش بداخلنا، رغم أنه في ذلك الوقت، كان بعضها، بل معظمها، تحديات، لكن تحديات وتجارب ممتعة.

هل هذا يعني أنه لا يوجد طيبون الآن، بالطبع يوجدون وكثيرون. لكن السبب أننا تعلمنا أن نكون ممتنين مقدرين لكل صغير عشنا به، تعلمنا الطيبة من نهل نهلناه من الأجداد، لم نتذمر لأن التلفاز ينتهي بوقت محدد، وأفلام الكرتون لها وقت محدد، وأن نقف خارج المنزل ممسكين بعمود الإرسال، ونصرخ، هل وضحت الصورة. كان لكل حدث وكل شيء ثمن معنوي كبير.

أغرقتنا النعم، وسهلت الحياة، لم يعد الاشتياق لحلوى معينة أمراً مذكوراً، فأي نوع يخطر ببالك، ما عليك إلا البحث عنه وطلبه فوراً، حتى لو كان في بلد آخر، وللأسف، لم تعد أفلام الكرتون كما كانت، بل أصبحت بين عنف وأخلاقيات دخيلة. ناهيك عن عالم الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والصورة بوضوح نظام الأبعاد الثلاثية.

لست هنا لأذم أياً مما سبق، أو أقول إن هذه النعم لا تعنينا، هي تعب ومجهود آخر، بذلناه لنصل لسهولة العيش والتمتع بالحياة. لكنها وقفة، فالطيبة هي نحن، ونحن من نصنعها وننشرها، ونملأ بها عالمنا بكل تفاصيله، وكما كنا سبباً لأيام الطيبين في الماضي، فلتكن حياتنا في كل زمن أياماً للطيبين.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات