حكمت.. المحكمة

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). سورة النساء 58

بين عتبات المحاكم، وبين ملفات القضايا، وبين قاعات المداولة ومجالس الإصلاح، وقضاة ومحامين، كلهم أتوا وهم يحملون على عاتقهم هدفاً واحداً فقط، وأمانة وكلت لهم من الله قبل خلقه، وهي أن يحكموا بالعدل، ومن خلالهم تصل الأمانات إلى أهلها.

تختلف القضايا وتختلف تباعاً لها المواقف والأحكام، فهناك معطيات وبيئة وزمن مختلف، كل على قياسه. لكن يبقى العدل هو أساس الحكم، وتبقى الرحمة واللطف أهم قوائمه. لكن تبقى القضايا الأسرية أكثر القضايا التي أراها من وجهة نظري تحسساً وأهمية، فالأسرة اللبنة الأولى للمجتمع، وبكل أركانها من زوج وزوجة وأبناء، فهم جميعاً قوائمه الأساسية، باختلال إحداها يختل نظام المجتمع بأسره.

والمؤلم انتشار القضايا الأسرية بجميع أنواعها وعلى رأسها قضايا الطلاق، القضية التي تفتح شقاً في سد ليغمر طوفان القضايا بعده حياة جميع الأطراف، تبدأ مشاعر الانتقام تتفشى كالمرض بين زوج وزوجة متناسين لحظات من عمر قضوها بكل تفاصيلها معاً، غير مبالين ببراءة الطفولة التي تغتال بدون شفقة بينهما، وإن تفاوت الوضع لأب لا يرى سوى صدمة لقرار أخذه ولم يحسب حساباً لتبعاته، ويبدأ بشن الهجوم تباعاً على أم لا تفكر سوى التركيز في تربية أبنائها والحفاظ عليهم ليكونوا خير لبنة للمجتمع، لكن كيف يدعهم لسلام لا يراه في أبنائه، محاولاً بكل الوسائل الإطاحة بهدفه رغم بصره لكن تعمى البصيرة، وقد تختلف الأدوار وتلعب الأم هذا الدور بتفاصيله، ولكن من يدفع الثمن.

العدل ليس أغلالاً تلف لتخنق الرحمة في القلوب، العدل من أعلى مراتب صفات الرحمة، والقاعدة الأساسية لرفعة الشعوب، وهي وسيلة الأمان التي تطمئن لها النفوس والقلوب. فإن انفصلت الدروب لا تدعوا الحروب تأخذ مسار حياتكم وحياة من تحبون، فهذا كله لن يولد إلا اختلالاً في نفسية أبنائنا وزعزعة لأمنهم وثقتهم في كل شيء حولهم، ويظهر تأثيره في مخرجاتهم للحياة بأكملها ونخسر أهم مقومات بناء المجتمع. وعندما نصدم بالنتائج التي تقشعر لها الأبدان. فما نفع الندم بعد انسكاب الكأس وانكساره.

هنا أسلط ضوء الرحمة والعدل والسلام، هنا ننادي قلوباً ترى بالبصيرة قبل البصر، هنا نرفع صوت الرقي والأخلاق التي ربينا عليها ونشأ مجتمعنا بها، وإن كان الانفصال تبقى العلاقات مسالمة لطيفة لبيئة وأرض خصبة لنشأة أبنائنا. فقط هنا أعزز قيم التسامح ليس لشعار نتفاخر به، بل لعمق وأهمية أطراف هذه العلاقات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات