جنة المثقفين

هناك تشابه بين الطعام وبين الكتاب، فكلاهما غذاء، غذاء للعقل والروح، وغذاء للمعدة، وكلاهما مفيد للإنسان، بل إنني أزعم أنه لا غنى للإنسان عن كليهما، وإن كان بنسب متفاوتة، التشابه ينطبق بطبيعة الحال على معارض الكتب، وما يسمى البوفيه المفتوح في المطاعم.

تشكل معارض الكتاب بالنسبة لي بوفيهاً مفتوحاً، أتوه فيه، لدرجة أن تصيبني حالة من الذهول فلا أعرف الاختيار وينتهي بي الأمر بدون غذاء، وهكذا كنت في معرض أبوظبي الدولي الكتاب تائهاً، أذهب كل يوم وأتفرج، وينتهي بي الأمر بعد عدة ساعات من التسكع والبحث بلا شيء، وفي أحسن الأحوال أجد ضالتي في كتاب وحيد، أحتضنه وأغادر، عملية اختيار الكتاب اللذيذ مضنية، عقلي يرفض «الجنك فود» وهذه مصيبة لأننا في زمن الوجبات السريعة، فقلما تجد طعاماً صحياً لعقلك.

الواقع أن معارض الكتب في الدولة أصبحت تشكل مصدراً سنوياً للتزود بالكتب التي قد تكفي لعام كامل، أو على الأقل كل ستة أشهر بين معرض أبوظبي الدولي للكتاب ومعرض الشارقة للكتاب، وما بينهما، معرض العين تقرأ، ومهرجان الإمارات للآداب، تجد أن لديك فرصة للتزود بما لذ منها وما طاب من الكتب.

الحركة الثقافية في الساحة المحلية تشهد نشاطاً متنوعاً ومتواصلاً على مدار العام، تشكل غذاء للعقل والروح، وإنارة للمناطق المهجورة في الدماغ، من أجل التنوير والمعرفة والثقافة وسعة الاطلاع، معارض كتب، ندوات ومحاضرات وورش ثقافية، مهرجانات أدبية وموسيقية وفنون، مسارح وعروض أوبرالية ومتاحف متنوعة، وعروض تراثية تجمع مختلف الثقافات، حركة نشطة ترضي جميع الأذواق، والفئات، بل ومختلف الجنسيات والثقافات، إن ذلك يجعل الإمارات تبدو كجنة للمثقفين، مثل ما هي جنة الباحثين عن تحقيق أحلامهم. الحقيقة إن قادتنا يولون اهتماماً بالغاً بالحركة الثقافية والفنية وازدهارها.

قادتنا أصلاً فرسان وشعراء ومثقفون ومؤلفون ومؤرخون، والناس على دين ملوكهم، فتبدو الحياة الثقافية مثالاً يعكس المجتمع ومستوى رقيه الفكري والحضاري، كما أنها تحدد الهوية الوطنية والرصيد الإنساني الذي ينمو في نفوس الأجيال التي عليها احتضانه والتمسك به والحفاظ عليه، ولذلك ازدهرت الحياة الثقافية في الدولة، فأصبحت بيئة جاذبة للفعاليات والأنشطة الثقافية العالمية، والاستثمارات الثقافية الطموحة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات