بين الخرافة والواقع

منذ نعومة أظافرنا كنا نستمع ونستمتع بحكايات وقصص جداتنا وأجدادنا، بعضها كان من واقع وحقيقة من تجاربهم الشخصية، لكن حُوِّرَت تفاصيله لتصل الحكمة والعظة منه بشكل أسهل لنا، وبعضها الآخر كانت تؤلف لنفس الغرض، والحبكة عند الراوي. وما أجمل تلك الحكايات أو ما كنا نسميه «خراريف يدوه». وقصة وراء قصة، لعبرة وحكمة. لكن هل تساءلنا عن باقي ما يقال لنا أو ما تتناقله الأجيال من مواضيع، ومعلومات عن كل التفاصيل في هذه الحياة، هل وقفنا ولو لحظة لنتأكد هل هي خرافة أم حقيقة وواقع؟

اليوم، أصبح الكل أطباء، وعلماء، وتربويين، وخبراء تجميل وطبخ وتغذية، وفقهاء دين، ومدربين وأي شيء يريد أن يكونه يكون. لكن لماذا؟ هل لنشر معلومة ربما، أو لشهرة ما، كمن يشتكي من ألم معين، فيأتي صاحب الخرافة ويبدأ قوله: «أنا سمعت أن الدواء أو العشبة أو كذا وكذا مناسب لحالتك»، والطامة الكبرى عندما يتبع صاحب المسألة قوله، وربما صابت وربما خابت. فالأصل هل هي خرافة أم حقيقة؟.

ومثال خرافة ما نُقِل للغرب عن العرب بكل ما تحمله القصص من تنوع عن التفكير والأرض والعادات والتقاليد والدين الذي اتهم بالإرهاب، وخرافة أن كل بداية لألفية جديدة أن تكون نهاية العالم، وخرافة النصائح الأسرية المجربة، فتهدَمُ بيوتٌ وتشرَّدُ عوائلُ، وخرافة المرطب السحري الذي سيجعلك سنووايت في يوم وليلة، لتصبح صاحب عاهة مستديمة العمر كله. وخرافة الأدوية التي دمرت العقول بالأوهام الوردية، وكان واقعها مخدرات وإدماناً.

وقفت مع نفسي لأجد أن بعضاً من القصص والخراريف لم تكن متعة، بل كانت فكراً زرع الرعب بداخلي، وبقي السؤال هل «بابا درياه» و«أم الدويس» خرافة أم حقيقة؟ فقد أرعبتني قصصهم، وهل ما زلنا نتناقلها أجل، هي تراثنا، لكن فليكن اللطف بأطفالنا واقعاً.

صحيح أن من الخرافات ما أصبحت تحديات وابتكارات ذهبت في جانب الإبداع والبحث، وخلقت الكثير من العلوم الجديدة في عوالم مختلفة. لكن الحكمة أن ليس كل ما يقال أو يتناقل هو حقيقة وواقعاً، والأولى أن نكون واعين، وأن نعلم أبناءنا هذا الفكر الواعي، وذلك سيحفزهم على تعلم البحث والتعلم الذاتي، وينمي ويوسع مداركهم، وسيزيد متعة التحدي في أن يعلم الحقيقة، ويكون ذلك بإرشاد منا حتى لا ينجرف إلى منحنى آخر. فوسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع مليء بالكثير، فحفزوا الجميع أن ما يصلهم من معلومات حري بنا أن نتأكد من مصدرها الأساسي، ونتأكد إن كانت تناسبنا وتناسب مجتمعنا أو حاجتنا، فليس كل ما يلمع ذهباً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات