رسالة إلى أمي

تتلاشى الحروف من بين أصابعي، ولا أجد كلمات تملأ أسطري وأوراقي، أين تلك الأشعار والخواطر والقصص والحكايات، أين تلك الصفحات التي ازدحمت بها المشاعر والكلمات. أقف أمام عظمة حروف اسمك «أمي» وأصبح ذرات تتلاشى، أمام المعنى الحقيقي للتسامح والعطاء بلا حدود، للقوة التي لا تقارن، للطف والطيبة، للرحمة والحنان، للمسؤولية والعمل المتفاني.

أستجمعني حتى أكتب رسالتي لك أمي، أراني اليوم ثمرة أينعت بمجهود من رعاها، اليوم أراني نوراً يشع في كل مكان فقد كنت أنتِ منبعه، وأجد بداخلي قوة وعزيمة وثباتاً للاستمرار مهما اشتدت الظروف والعقبات. فقط لأنك أمي. لم تبخلي بكل ما آتاك الله لتمنحيه لي، لم تأخذي وقتاً للتفكير في نفسك، لأني وجدتني أنا النفس والروح التي عشتِ بها.

نتعثر فتمدين لي يديك وتأخذيني في عمق الحنان والأمان بين أحضانك، فيشتد عودي وأقف قوية بل أقوى وأكمل المسير، أخاف من هذا وذاك لأجد دعاءك يحرسني بحفظ الرحمن فيتلاشى خوفي وأكمل، أبكي من ألم ووجع، تمسحين دمعي بقبلات قلبك الكبير وتنشرين نور ابتسامتك فيشتت ظلام الحزن والأنين.

في أول لحظة أحسست بنبض طفلي في أحشائي، بكيت أجل بكيت كثيراً، لأني وأنتِ بجانبي عدت تلك النطفة في أحشائك، وعلمت عندما قلتِ لي ذات يوم «إنكم أغلى ما أملك»، أجل فنحن روحك ودمك ونبضات قلبك، عشتِ بنا وتحملتِ كثيراً ونحن بداخلك ومنحتنا الحياة. نحن روحٌ واحدة في جسدين.

وعند أول لحظة ألم لأول طلق أحسست معها بأنها اللحظة الأخيرة في حياتي، أجل فبعد رحلة الألم تأكدت أن حياتي انتهت لتبدأ حياتي كأم، لكني لست مثلك أمي، بل أنا نتاج منك أنتِ، وعندما تحملين أحفادك وتخافين عليهم من نسمات الهواء؛ لأنهم أغلى من أغلى ما رُزقتِ به، هكذا قلتِ.

أراني في كل دمعة فرح عند كل نجاح لي، فكم أنتِ فخورة بما بنيتِ فخورة كيف أنشأتِ وأعطيتِ، فخورة بأنك ساهمتِ في بناء أسرة لمجتمع غير كل المجتمعات، أنتِ قائدة ورائدة ومنك نهلنا الدستور الأول لكل تفاصيل التميز والنجاح.

أمي، اعذريني واعذري كل تقصير مني، في مشاعري، في وجودي ووقتي، اعذري زلاَّت لساني التي تؤلمني وتبكيني، اعذري كبريائي أمام خوفك وقلقك عليَّ، اعذريني كلما غبتُ عنكِ ولو لحظات، اعذري كل ما لا أستطيع صياغته في حروف وكلمات؛ لأنه عميق بداخلي.

إلهي احفظها وعافها وبارك لي فيها وفي جميع أمهات العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات