تسكُّع

بينما كنت أستمتع بالأجواء الرائعة في العين، كعادتي في نهاية الأسبوع، وجدتني أقف أمام فوهة لفلج الصاروج، في تلك اللحظة، تداعت الصور متدفقة من الذاكرة، صور تعود إلى ماضٍ بعيد، إلى زمن الطفولة المبكرة، يا إلهي، كيف مضت السنون سريعاً، كيف تسربت الأعوام من بين أصابعنا، كنا نلهو هنا، وهناك نغطس، الحنين يطرق أبواب الفؤاد، يعيدني إلى ماضٍ سحيق.

في تلك اللحظة، اعترتني رغبة عارمة في التسكع في العين، من هذا المكان، يمكنني رؤية فندق الهيلتون، في بداية السبعينيات، كان المبنى الوحيد الحديث في المدينة، كان قد شيّد حديثاً عام 1971، هنا كنا نتسلل لرؤية العجب والأجانب الغرباء، على بعد بضعة كيلومترات شمالاً، تقع مدرسة «النهيانية»، أول مدرسة أرتادها على الإطلاق، تغير اسمها وشكلها الآن.

سرت قليلاً، وصلت إلى قلعة «المربعة»، وقد تحولت إلى متحف للشرطة، واصلت تسكّعي لأجد نفسي في منطقة السوق القديم، في وسط المدينة، بعض المحال لا تزال كما هي، أخذني التسكّع إلى متحف العين بموقعه المميز بجوار الحصن الشرقي، يعتبر أقدم متحف في الدولة، فقد شيّده المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في نهاية الستينيات، وجدته مغلقاً، ربما من أجل التحسينات.

وهناك وجدت بوابة إلى واحة العين، حيث توجد الآلاف من النخيل التي لا تزال تعيش منذ مئات السنين، كنا نتسلل إلى هنا لنعيث خراباً في المزروعات، ونلهو في فلجي الداوودي والعيني، اللذين لا يزالان يجريان، اخترقت الواحة غرباً، لأجد نفسي قريباً من متحف قصر العين، الذي كان مقراً للشيخ زايد، طيب الله ثراه، وقد تم تحويله متحفاً لمقتنياته.

غير بعيد هنالك متحف آخر، يحكي قصة أهل هذه الأرض، مختزلاً ذاكرة المدينة، مازجاً فيها عبق الماضي وصورة الحاضر والمستقبل، مجسداً قصة تطور مجتمع بكامله، وشاهداً على مجتمع العين منذ ستينيات القرن الماضي، إنه متحف صغير، أقامه مستشفى الواحة، الذي عرف في زمن الطيبين بمستشفى كندي، توقفت طويلاً هنا.

الذاكرة ضبابية، الممرضات الأجنبيات، ربما كن راهبات يصطحبننا إلى الكنيسة، نستمع لصلواتهن التي تشبه الغناء، كنا مؤمنين طيبين، يا إلهي، من هنا تعلمنا التسامح، هنا كان أولئك الأجانب، هنا كنا نخالطهم، كنا صغاراً، لكن قيم التسامح واحترام الآخر كبرت معنا، وستبقى إلى الأبد، على بعد بضعة كيلومترات، توجد قلعة الجاهلي الشهيرة، طفت حولها، وتجولت في الحديقة التي تحيط بها، وأنهيت بقية اليوم في مقهى عصري، ضمن حديقة الجاهلي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات