عبقرية الصحراء

بينما كنت أغوص في أعماق كتاب «قصتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وجدتني مشدوداً إليه، وجدت فيه أشياء كثيرة جميلة ومؤثرة، كتاب يصلح ليكون معلماً، دليلاً في القيادة والإدارة، وقصصاً في الإرادة والتحدي، وشعرت كأن حنيناً دفيناً للماضي الجميل قد استيقظ، ثمة حنين للصحراء والليالي المقمرة في العراء، حنين لرؤية النجوم في السماء الصافية.

مدننا جميلة، حديثة، راقية، عصرية، عالمية المستوى، بل إنها اليوم تفوقت على بقية مدن العالم في الرفاهية ومستوى الحياة، لكننا لا نرى النجوم فيها، الأضواء المبهرة تشغلنا، فلا نرى السماء ولا القمر ولا النجوم.

نزعت من بين أيدي أبنائي أجهزتهم الذكية، سلموها لي على مضض، إنهم يعرفون أن هذه شجاعة مؤقتة، ذهبنا إلى الصحراء، افترشنا الأرض ونصبنا خيمتنا، أشعلنا ناراً، بانتظار غروب الشمس، انطلق الأبناء بسعادة في الفضاء الفسيح، تسلقوا الصخور، خشيت عليهم لكنني كتمت خوفي، دعهم ينطلقون، يشاغبون، يستكشفون البيئة، نحبسهم طوال الوقت بين جدران المنزل أو المدرسة أو حتى المركز التجاري، نخشى عليهم من نسمة الهواء وننسى أن نعدهم لمواجهة الحياة، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عندما كان يافعاً كان يتعرض للسعات العقارب الصغيرة في الصحراء لتصبح لديه مناعة من سم العقارب الكبيرة، والحياة مليئة بالعقارب، الحياة بحر متلاطم الأمواج، إن لم تكن تعرف العوم ستغرق فيه لا محالة.

شكّل منظر غروب الشمس بين الجبال مشهداً خيالياً، وعندما أظلمت الدنيا ساد الصمت والهدوء من حولنا، شعرت بنوع من الطمأنينة والسكينة، استلقيت لأتمكن من مراقبة النجوم، النجوم تتلألأ في السماء الصافية المظلمة، في المدن لا نرى هذا المشهد، يا إلهي، مشهد يدعوك للتأمل في خلق الله، في هذا الكون الشاسع، كم نحن صغار، كوكبنا مجرد نقطة في هذا الكون اللانهائي، تلك هي درب التبانة، تلك هي الزهرة، وتلك بنات نعش، والجدي، شباب الوطن محظوظون، قريباً سيكتشفونه عن قرب، سيبحرون فيه، سيصلون بمسبارهم الذي صنعوه بأيديهم إلى المريخ، هذا القائد خرج من الصحراء بعبقرية ليصنع لنا مستقبلاً زاهراً، لم ينس الماضي وعينه تنظر بوضوح إلى المستقبل، يعرف المستقبل الذي يريده لشعبه، كما كان والده الشيخ راشد، طيب الله ثراه، سابقاً عصره، وكما كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الذي صنع لنا هذا الوطن الغالي لنباهي به الأمم، ونفخر بأننا أبناء الصحراء التي تحولت إلى هدف لكل الحالمين بمستقبل أفضل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات