خارج الحدود

الحدود، كلمة تقف بحد ذاتها أمام أي تدفق كان، وأمام أي حرية، وأمام أي شيء نحدد له الحدود، الحياة تملأها تلك الحدود من جميع اتجاهاتها. لكن يبقى السؤال ملحاً بنفسه وسط هذا، هل كل الحدود حدود، أم قيود، أم مسارات تسهل الوصول؟.

لو لم يكن للسكين حد، لما قطعت، ولم لم يكن للوقت حد، لما التزمنا، ولو لم تضع الحدود على الخرائط، لتاهت الطرق. هكذا كل شيء في حياتنا، نقبل أن تكون حدوده واضحة للعيان، لكن، عندما تأتي تلك الحدود للعلاقات والمشاعر، تصبح مختفية كالسراب، نراه من بعيد وكلما اقتربنا منه اختفى.

لماذا لا نتعلم وضع الحدود في علاقتنا ومشاعرنا، لتكون علاقاتنا صحيحة مريحة ولطيفة، لا أعني أن تكون علاقات جافة ورسمية التعامل، رغم أن في بعض الأحيان نحتاج لذلك أيضاً. ما أعنيه أن نكون طريقاً ذا اتجاهين، لا اتجاه واحد فقط، يأخذ ويتطلب وينتظر كل شيء من الطرف الآخر، دون أن يفكر أنه قد يكون تجاوز حدوده، وطفح الكأس بما فيه، فلكل منا طاقة وسعة، ويوماً ما تمتلئ سعته. مثلما تحب لنفسك أحب لمن حولك.

عندما تتجاوز تلك الحدود، وتبدأ دور الفضولي الذي ينقب عن الكنز، ويبحث عن تلك المعلومة التي سترها الله عن شخص ما، هل فكرت أن في نفس تلك اللحظة، أن شخصاً ما يفعل الشيء ذاته بك، ليكشف سترك، ومن يتجاوز حدود اللباقة في الحديث، ويخلع وجه الحياء، ليسكب وابلاً من الكلمات التي تحرق أي حدود بلسانه أو بفكره، أو ببضع حروف في مكان ما.

كلها حدود، حتى في منازلنا، يجب أن نعلم أن بها نرسم طريقاً ممهداً للأخلاق والحب والسلام بين العلاقات الأسرية، بين الزوج والزوجة، والأبناء والأهل الأقارب. تلك الحدود المسالمة المطلوبة لتقنن العلاقات، فلا تعطي أكثر ولا تنتظر أكثر، وتراعي أن لكل خصوصياته وحياته التي يحب أن تكون حدوده له وحده. حدود أخلاق وقيم وعادات صحيحة، لا برمجيات انتقلت من زمن لآخر. حدود بوعي، لتجعل الحياة في زمن جفت فيه المشاعر، وأصبحت شاشات.

اليوم أتكلم خارج الحدود، اليوم أبحث عن حدود السلام والحب والبهجة والمتعة في الحياة، الحدود التي تملأ أنفسنا بهواء نظيف، بعيد عن الظنون، بعيد عن الأحكام، الحدود التي تبني لا تهدم، الحدود التي تحرر لا تقيد، تلك هي الحدود التي نريدها، لنرفع بها قيمنا وأفكارنا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات