صهوة قلم

كم يحتاج عالمنا من الأشياء كي يتحول إلى شيء آخر.. إلى جنة؟ ربما كان يحتاج كما يقول نيلسون مانديلا: «إلى قلم جميل يمكنه أن يذكرنا بتلك اللحظات، بأوقاتنا السعيدة في الحياة، يمكنه أن يعطي نفوسنا، دماءنا وأرواحنا من الأفكار أنبلها، ويمكنه أن يحول المأساة إلى أمل وتفاؤل وانتصار». صحيح، هل يحتاج عالمنا المادي لا محالة، إلى شيء صغير مثل القلم الذي تحدث عنه مانديلا في كتابه «رسائل نيلسون مانديلا من السجن»، تحرير «سهم فنتر» 2018.

بقلمه كان مانديلا قد حول عالمه من زنزانة ضيقة ذات أرض خرسانية إلى مساحة شاسعة ناعمة للتأمل، تنتهي بالرضى، أضف إليها ذلك الشعور بأنه إنما كان يقف على قمة هذا العالم.

أشياء كثيرة وصلتنا عن هذا الرجل، لكن من أجملها هذا التغزل بقلمه. والواقع أن الكثيرين ربما كانوا قد توقفوا عند معاناته من العزلة والأعمال الشاقة كالمداومة سبع ساعات على كسر الصخور، والحرمان من أشياء بسيطة، إلا أن تلك اللحظات التي كان يمسك فيها بالقلم ليكتب، متفائلاً بأن العالم من حوله من شأنه أن يتغير، ثم يبادل أصدقاءه الفكاهة في رسائل استمرت طويلاً، ظلت تجسد حياته بشكل مختلف.

في أوج قدرتها على الإمساك بالقلم، على الكتابة، تتجلى قدراتنا الإنسانية، تحدينا لعالم مساحته شاسعة تشغله أشياء أخرى، وعلى الرغم من كونه عالماً مسوراً بأسلاك شائكة، إلا أنه لا يمكنه أن يتخيل أن ضربة قلم قد تضع نهايته.

يبقى أن من الأمور التي يتوقف عندها قارئ رسائل مانديلا من جزيرة «روبن» المنعزلة، أن قلمه ربما كان شديد الحساسية في قدرته على عدم الخلط بين الأمور، ومن مميزاته أن أحداً لا يلاحظ كثيراً الحديث عن حياته البائسة في جحيم الزنزانة بقدر ما يرى أداة لها القدرة على السيطرة على زمام الأمور، والتحليق حين يريد صاحبها أن يهرب من معاناته فراراً على صهوة قلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات