كلنا يدرك أن العادات والتقاليد الاجتماعية، رغم أهميتها وحميميتها بالنسبة للجميع، وحرص الأغلبية على التمسك بها لأنها صمام الأمان وسط التغيير الديموغرافي الحاصل في المجتمع، والتركيبة السكانية، فإن كثيراً من التحديات بات يواجه هذه العادات والتقاليد الجميلة، التي حرص الأجداد والآباء عليها، وعلى تأصيلها في الأبناء، ولكن عوامل اجتماعية وثقافية وفكرية كانت سبباً في التخلي عن بعضها.

زيارة الجار، وتفقده، والتواصل معه، لم تعد من المفاهيم، التي يحرص عليها الجميع، ففي الماضي كانت المنازل صغيرة وأعدادها قليلة، ومع ذلك كان الجار حريصاً على زيارة جاره، والتعرف إليه، ولا يكاد يمر يوم من دون أن يسلم عليه، بل ويتقاسم معه لقمة زاده، وكانت مناسبات الحزن والفرح مناسبات يتقاسمها الجيران مع بعضهم بعضاً، ولكن اليوم تغير الحال وأصبحت الأحياء التي تضم مساكن واسعة، موحشة بجيران لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يتزاورون ولا يتفقد أحدهم الآخر، وإن كان هناك تواصل فهو رسمي، أو من خلال الخدم والسائقين، الذين يقومون بإيصال وجبة تعبر عن مجاملة في إحدى المناسبات، التي أهمها شهر رمضان المبارك المطل على الأبواب.

«إلى جاري»، مبادرة أطلقتها مجموعة من شباب الإمارات، منذ أسابيع قليلة، من أهل البلد إلى أهل البلد، يهدفون من ورائها لإعادة الروح إلى الجيرة، وعلاقة الجار بالجار.. طرحوا من خلال هذه الحملة تساؤلاً: هل أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في عادة التواصل مع الجيران؟ ونحن نقول، إن شبكات التواصل الاجتماعي ليست وحدها التي أثرت في علاقاتنا بالجيران، فقد تغيرت علاقاتنا بالجيران منذ سنوات، وقبل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي..

فالنفوس لم تعد كما كانت، والمنازل رغم أنها اتسعت فإن نفوس ساكنيها ضاقت، أصبحنا نختلق الأسباب ونضع ألف سبب وعذر يحول بيننا وبين زيارة الجار، وباتت الرسميات مسيطرة على علاقاتنا ببعضنا بعضاً، وحلت محل البساطة، بل إن كثيراً منا أصبح يقدم أموراً ليست لها أولوية على زيارة الجار، كالذهاب إلى المقاهي أو السينما أو مراكز التسوق، في حين أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى بالجار خيراً.

«إلى جاري» مبادرة رائعة، والأروع أنها جاءت من شباب أدركوا أهمية الجار، وذكروا به، وبأهمية إعادة الروح إلى الأحياء، من خلال تواصل الجيران، الذين أصبحنا لا نعرف عنهم شيئاً أو بالكاد نعرف أسماءهم، في حين كانت تربطنا بهم علاقات وثيقة تكون أوثق في كثير من الأحيان من علاقات الرحم والنسب.

دورنا اليوم أن ندعم هذه المبادرة، ليس إعلامياً فحسب، بل بالتواصل مع جيراننا، وإعادة ما قطعنا في سنوات مضت لأسباب لا يفترض أن تدفع بنا إلى هذا الاتجاه، الذي أصبحنا ماضين فيه، حتى وإن تغيرت معالم الأحياء التي نسكنها ونقطنها، فما زالت أحياء الإمارات عامرة بأهلها، وما زال الواجب الديني والأعراف تحتم علينا التواصل مع من أوصانا رسولنا الكريم بهم خيراً، فحدد في رمضان المقبل جدول زياراتك إلى جارك، وأقربائك.