الكل يعلم، رسميا وحسب الإحصاءات، غلبة فئة الشباب على سكان دولة الإمارات، والكل يلاحظ أيضا تراجع مستوى الإنجاب في الأسرة، لأسباب معروفة لا يتسع المجال للحديث عنها، لكن الأهم في حديثنا عن الشباب الذين تعول عليهم الدولة في تكوين الأسرة وتربية الأجيال وفي بناء الدولة، هو الحديث عن الظروف اللازمة لهم للقيام بالمسؤوليات دون ضغوط تفوق احتمالهم

. منذ سنوات بدأت بعض المؤسسات والدوائر المحلية في تقليص عدد أيام الإجازات السنوية، لتصبح بدلا من شهرين أو خمسة واربعين يوما، إلى اثنين وعشرين يوما وكحد أقصى ثلاثين للوظائف العليا، وتبعتها المؤسسات الاتحادية في الدولة، دون أن نجد تبريرا مقنعا لهذا التحول.

انعكس تقليص أيام الإجازات بالسلب على الموظفين والموظفات، لا سيما بعد أن عمدت وزارة التربية والتعليم لتقسيم العام الدراسي إلى ثلاثة فصول دراسية، تتبع كل منها إجازة لا تقل عن أسبوع في الفصلين الأول والثاني، وصولا إلى إجازة الصيف التي تمتد أكثر من شهرين متتاليين، ما كان سببا في توسيع الفجوة بين الآباء والأمهات والأطفال في المنازل، بسبب استحالة قضائها كلها مع الأبناء أو تجزئتها أو السفر فيها بسبب التكاليف.

منذ يومين قال مدير عام الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، إن الموظفين الشباب في الوزارات والهيئات الاتحادية من الإناث والذكور، يشكلون نحو 60% من إجمالي عدد الموظفين، وأن إجمالي عدد الموظفين الذين تقلّ أعمارهم عن 49 عاماً، بلغ 44 ألفاً و48 موظفا.

إذا كانت غالبية سكان وشعب الإمارات من الشباب، وإذا كانت غالبية موظفي الدولة من الشباب، فلماذا نثقل عليهم بالعمل الشاق لمدة 365 يوما، يستثنى منها اثنان وعشرون يوما للإجازة السنوية وأيام أخر للإجازات الرسمية؟ إن كان الهدف تحقيق نسبة أعلى من الإنجاز والتميز، فذلك أمر مردود عليه بإتاحة العمل للباحثين عن عمل، بتعيينهم في وظائف يتقاسمون فيها المسؤولية مع إخوة لهم كما كان الأمر في السنوات التي سبقت هذا التحول.

المطالبة بعودة الإجازة إلى الخمسة والأربعين يوما على الأقل، ليست من أجل راحة الموظف جسديا فحسب، وإن كان ذلك حقا مشروعا، بل من أجل الحفاظ على البناء الأسري الذي فقدنا جزءاً منه ونخشى أن نفقد أكثر.

العمل جميل والإنجاز أجمل، ولكن قرارات تنظيم ساعات العمل لا بد أن تضع في اعتبارها المصالح الأسرية والاجتماعية، وهو ما نتطلع إليه بعد أن جربنا هذا النظام المطبق وسلبياته، والذي لم يفقد الموظفين راحتهم الجسدية والفكرية فحسب، بل سلبهم الكثير من الترابط الأسري.