على الرغم من التنوع الثقافي الذي تتصف به دولة الإمارات، والذي يتيح لمختلف الجنسيات التي يزيد عددها على مائتي جنسية، الإقامة في الدولة بالشكل الذي يتناسب مع ثقافة بلدانها، وعلى الرغم من التأكيدات التي تطلقها الإمارات من خلال المؤسسات الأمنية والمدنية، على هوية مجتمعها وحقوق مواطنيها والمقيمين فيها، في العيش بأمن وسلام كأولوية لا ينبغي تعارضها مع الانفتاح والتنوع الثقافي الذي تشهده الدولة، إلا أننا بتنا نشهد حوادث قضايا مقلقة، يتعرض لها الصغار قبل الكبار، ونخشى اتساع دائرتها، وأهمها الاعتداء الجنسي وهتك الأعراض.

بالأمس نشرت إحدى الصحف المحلية تحقيقا أشارت فيه إلى تعرض 30 طفلاً وطفلة على الأقل، من جنسيات وأعمار مختلفة، لحوادث هتك عرض وتحرشات جنسية على مستوى الدولة خلال السنوات الثلاث الماضية، وفقاً لإحصائية تقديرية من واقع البلاغات المعلنة والقضايا التي نظرتها المحاكم خلال تلك الفترة، وأكد مختصون أن عدد ضحايا حوادث التحرش بالأطفال يزيد على ذلك بكثير، بسبب عزوف البعض عن إبلاغ الشرطة عن الجرائم التي يتعرض لها أبناؤهم، خوفاً من الفضيحة وحساسية الجريمة.

حوادث هتك العرض ليست حصرية على مجتمع الإمارات، لكن وقوعها بهذه الصورة والعدد في مجتمع صغير أمر ملفت وينبغي التوقف عنده، لا سيما وقد أصبح الطفل هو ضحيتها في المدارس والمنازل والأماكن العامة، على أيدي متهمين معظمهم من جنسيات دول آسيوية.

الرقابة على الأطفال وحمايتهم، مسؤولية الأهالي ومن يكون مسؤولا عنهم أو مصاحبا لهم في الأماكن العامة، والعقوبات القانونية على المعتدين جنسيا واجبة على الجهات الأمنية والقضائية، إلا أنها تأتي بعد أن يكون المعتدى عليه قد فقد حياته أو فقد الكثير من ذاته، وأصبح بحاجة إلى علاج نفسي واجتماعي مكثف قد تعجز الأسرة عن القيام به، وهو ما يفقد المجتمع أفرادا أسوياء نفسيا واجتماعيا..

وزارة الداخلية طالبت جميع ذوي الأطفال في الإمارات بالإبلاغ عن حوادث التحرش بأبنائهم، وهذه خطوة مهمة ينبغي التزام الأهالي بها دون تحسس أو خوف من الفضيحة، لوضع حد لهذا النوع من الجرائم، ولننأى بالأطفال عن المشكلات النفسية التي سيتركها الاعتداء عليهم.

والإبلاغ عن حوادث الاعتداء الجنسي على الأطفال ليس كافيا، إذ يحتاج الأمر إلى حملات توعية على مستوى المدارس وغيرها من المؤسسات المدنية، لتوعية الأطفال والمراهقين حول ردود الأفعال المتوقعة منهم، في حال تعرضهم للاعتداء أو التحرش الجنسي من الغرباء أو حتى الأقارب، فهذه الثقافة هي السلاح الأول الذي لا بد من تزويدهم به لحماية أنفسهم ولتخليصهم وغيرهم، كذوي الاحتياجات الخاصة، من الاستغلال والابتزاز الجسدي، وهو المعمول به في دول أخرى وقد أثبت جدواه، بعيدا عن ثقافة الخوف من الفضيحة والعيب.