في خضم الأحداث السياسية العسيرة التي يرزح تحتها العالم، لا سيما ثورات الربيع العربي، التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، لم يتوقع أحد أن تكون هناك نوايا لإطلاق مشاريع ضخمة، بعد أضخم أزمتين هزتا العالم منذ عام 2009، أزمة مالية، وأزمات سياسية غيرت خريطة العالم ومجريات الأحداث فيه.
لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي وقف يومها في جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين في نهاية عام 2007، متوقعاً تغيرات في ضفتي الأطلسي، أطلق أمس مشروع «مدينة محمد بن راشد» داخل مدينة دبي، ليضم أربعة قطاعات رئيسة، للسياحة العائلية، وللتسوق، ولريادة الأعمال والابتكار، بالإضافة إلى قطاع للمعارض.
الأمر ليس غريباً، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عودنا بفكره على صناعة المستقبل، لأنه ليس من القادة الذين ينتظرون الأحداث ليتخذوا ردود أفعال إزاءها، بل إنه يحلل الواقع، ويتخذ قرارات بناء على رؤية واضحة للمحيط حوله، وبناء على قدرته في تسجيل توقعاته للمستقبل.
وهو ما لمسناه منذ التسعينيات، عندما كانت المنطقة في رحى الاضطرابات، وواقعة تحت سيطرة الخوف، إلا أن ذلك لم يثنه عن اتخاذ أهم القرارات، بل كان سموه يؤكد دائماً على وجوب استباق المستقبل، بدل ملاحقته.. فكان الإعلان عن شركة طيران الإمارات، في وقت معاناة شركات الطيران، فباتت من أهم شركات الطيران حالياً، بل منافساً لأكبر شركات الطيران، ومصدر تخوف البعض.
وفي بداية الألفية، أطلق سموه مدينة الإنترنت، التي كانت أشبه بحلم مستحيل، في حين أنها اليوم وجهة للعالم الإلكتروني، وهو ما ينطبق على مدينة الإعلام، التي كانت مجرد فكرة مثيرة للجدل، إلى أن أصبحت اليوم مقراً لكبرى المؤسسات الإعلامية، التي تفضلها على مدن عريقة أخرى في العالم.
تنبأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بالأزمة العالمية في الغرب قبل وقوعها، وجنب دبي ويلاتها، واستطاعت الإمارات بحكمة قيادتها، وبالوحدة التي قامت عليها الدولة، الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، وصولاً إلى بر الأمان الذي لم يعطل مسيرتها في التنمية.
دراية سمو الشيخ محمد بن راشد بالأمور، واستناده على حقائق في أرض واقع إمارة دبي، تجعل قراره بإنشاء هذه المدينة محل تطلعاتنا، لأننا ندرك، كما يدرك، أن مشاريع دبي وتطلعاتها لاستضافة أحداث عالمية، لم تعد المنشآت الحالية قادرة على استيعاب ضيوفها أو فعالياتها الضخمة، ما يتطلب مشروعاً ضخماً كهذا المشروع، لا نتوقع عوائده على الزوار ورجال الأعمال والسائحين فحسب، بل نتوقع أن تتجاوز عوائده الإيجابية لتشمل أبناء البلد، مستثمرين ورجال أعمال، وآخرين سيجدون آلاف فرص العمل التي ستتيح لهم اكتساب خبرات عملية في مشروع تنموي ضخم كهذا، لم يترك مجالاً إلا وشمله.
سموه قال في إطلاق المشروع: «نريد بدء المرحلة الثالثة من تطوير إمارة دبي..»، ونحن نقول لسموه، كان للرعيل الأول والثاني شرف بناء دبي الأولى، وتطوير المرحلة الثانية، وسيكون للجيل الحالي والأجيال بعدهم، شرف المساهمة في تطوير المرحلة الثالثة، وهذا هو المكسب الحقيقي.. فسموك تبادر بصنع المستقبل لهم، حتى لا تصنعه لهم الظروف المحيطة بهم.