لا يختلف اثنان على مدى تأثر الطلبة بالمعلمين علماً وسلوكاً على مر الأزمان، وهو ما كان يدفع بالأهالي للحرص على تعليم أبنائهم على يد افضل الأساتذة، حرصا منهم على اكتساب كل السلوكيات والأخلاقيات التي احبوها في معلميهم.
نحن هنا في الامارات اصبحنا نفتقد وجود المعلم الاماراتي القدوة في مدارس أبنائنا الحكومية وغير الحكومية، بسبب إحجام الذكور عن الالتحاق بهذه المهنة لعدة اسباب. أهم تلك الأسباب قلة الامتيازات وضعف الرواتب وكثرة الأعباء الوظيفية التي يضطلع بتنفيذها المعلمون، إضافة الى تراجع المكانة الاجتماعية للمعلم، مقارنة بمهن وحرف أخرى أصبح لها بريقها المادي والاجتماعي الذي يجذب الشباب المواطن.
من يومين نشرت وزارة التربية والتعليم بيانات كشفت أنه خلال السنوات الثلاث الماضية لم يتمكن قطاع التعليم الحكومي في الدولة من استقطاب أكثر من 4 معلمين من المواطنين الذكور فقط، يضافون إلى مجموع الهيئات التعليمية العاملة في المدارس الحكومية، مقابل 297 معلماً وافداً، فيما انضم إلى المدارس الحكومية في الفترة نفسها 66 معلمة مواطنة مقابل 925 معلمة وافدة. وتؤكد تلك البيانات المنشورة زيادة نفور وابتعاد المواطنين الذكور من مهنة "تربية الأجيال"، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن البديل لهم إن غاب إخواننا الوافدون يوماً؟
دول الخليج والدول العربية وحتى الدول الأجنبية مازالت تنعم بوجود مدرسين من مجتمعها يربون الاجيال رغم تنوع التخصصات الجاذبة للشباب فيها، والدليل على ذلك ان الامارات تستقطب أعداداً كبيرة منهم للعمل في المدارس الحكومية والخاصة، ما يؤكد وجود خلل لدينا نحن في الامارات يحتاج الى مواجهة ومعالجة قبل فوات الأوان، وحتى لا نفوت الفرصة على أبنائنا الاستفادة من تلقي التعليم من أبناء وطنهم الذين سيكونون حتماً أحرص من غيرهم خاصة ونضمن تأثيرهم الإيجابي في سلوكياتهم بالشكل الذي نرتضيه لهم.
إذا كانت وزارة التربية لم تنجح خلال السنوات الثلاث الماضية إلا في استقطاب 4 معلمين من المواطنين الذكور فقط فلنا ان نتخيل الوضع في السنوات المقبلة وسط سيل الاستقالات التي نسمع عنها من الذكور والإناث رغم الترقيات التي تواكبها من قبل الحكومة الاتحادية، والتي تؤكد ان الأزمة ليست مجرد حوافز مادية فحسب، بل هناك مسائل أخرى لابد من البحث فيها، وهو ما ينبغي ان تتحمل مسؤوليته المؤسسات التعليمية في الدولة اتحادية ومحلية.
مشكلة عزوف الخريجين الذكور المواطنين عن العمل في سلك التدريس أحد التحديات التي تواجه استراتيجية تطوير التعليم على مستوى الإمارات، ولابد من دراستها ووضع حلول لها، فمها كانت الجهود التي يبذلها إخواننا الوافدون في تعليم الأبناء، ومهما اقتربت هويتهم وثقافتهم من هوية المجتمع الإماراتي وثقافته إلا أن الركون والاعتماد عليهم بشكل تام في هذه المسألة أمر له أبعاده الخطيرة مستقبلاً، ويفترض مواجهته من الآن بحلول ناجحة حتى لا تخلو مدارس الامارات يوماً من معلمين وإداريين مواطنين على خلاف مدارس العالم التي قد لا تشكو الأمر نفسه.