نصادف موظفين محبطين ليس بسبب عدم ترقيتهم أو عدم حصولهم على حقوقهم أو امتيازاتهم، بل بسبب أجواء العمل المشحونة، وهي أمور لا تخلو منها أي مؤسسة ولكنها تتفاوت بقدرة الإدارات على احتوائها وتجاوزها، وبقدرة الموظفين أنفسهم على التكيف معها واحتواء تلك المشكلات أيضاً حتى لا تصبح عائقاً أمامهم في العمل والإنتاج والتطوير الذاتي أو تطوير العمل ذاته.

القارئة سناء بعثت رسالة تشكو فيه مما سبق، وتقول: «أبحث عن فرصة عمل في بيئة أخرى مع أناس يتحلون بالطيبة والمبادئ والأخلاق، صفات لا تحد من ذكائهم وكفاءتهم وتفانيهم في العمل بعد أن صار التواجد بين أناس تجتمع فيهم الطيبة والكفاءة في الوقت نفسه أمراً صعباً. وصلت بجهدي وبتوفيق من الله إلى منصب إداري جيد، إلا أنه يصعب التكيف في أجواء تنافسية «غير شريفة»، فالوصول إلى منصب إداري مرموق يجعل الإنسانية تختفي».

تتساءل سناء في رسالتها التي تصف فيها بيئة العمل التي تقوم على عدم احترام الإداري الذي يتعامل مع الموظفين بإنسانية، على خلاف غيره من المتسلقين وبائعي ضمائرهم ومبادئهم: «هل أصبح الطموح على حساب أخلاقنا ومبادئنا؟ أخلاقنا لم تكن يوماً حاجزاً يعيقنا عن الوصول إلى ما حققناه خاصة نحن أبناء الإمارات الذين تربينا على دين ومبادئ أرساها زايد. أصبحت وغيري نفتقد الاندماج في مؤسسات أصبح بعض العاملين فيها مستعداً للتضحية بالجوانب الإنسانية والاجتماعية ومبادئهم، وبتنا محبطين في رحلة بحث دائمة عن بيئة أفضل تضم اللطفاء من الناس».

ونقول للأخت سناء وغيرها: إن ما وصفته قد يجسد أحوال الأفراد في بعض المؤسسات لكن من الخطأ التعميم فكل مؤسسة تضم أطيافاً مختلفة من الأفراد الذين تختلف ثقافاتهم والعوامل التي تؤثر فيهم، لكن الأهم ألا نستسلم وأن نؤمن بأن التغيير دائماً يبدأ من الفرد سواء كان للأفضل أو للأسوأ وأن أموراً سلبية كبيع الضمائر أو استرخاص المبادئ لابد لها من المواجهة بالموعظة والجدل، ولكن بالأسلوب الحسن والحجة المقنعة حتى لا نفقد واجباتنا الإنسانية والاجتماعية أو مبادئنا في أي عمل نقوم به تجاه زملاء يعملون معنا أو تجاه آخرين تم توظيفنا لخدمتهم.

التنافسية غير الشريفة وتراجع المفاهيم الإنسانية إفرازات التنمية السريعة التي تشهدها الدولة، لابد من مواجهتها بالحلم والصبر والحكمة لكي لا تقتل بنيتنا الاجتماعية وهذا هو المأمول منا جميعاً. التجاهل والتقوقع والتحسر على ممارسات تبدر في أي بيئة عمل أو ربما في منزل أي واحد منا لا يقدم حلولاً ولا يسهم في معالجة هذه المظاهر والمشكلات السلبية بل قد يزيد الطين بله، لذا فإن البدء في المواجهة من خلال ذواتنا ومن خلال مجموعاتنا التي نشعر بتقاربها منا كفيل بتحسين ظروف العمل وإعادة بوصلة الطموح إلى مكانها.