لا يملك أي منا الاعتراض على أحكام القضاء والقدر، ولكن جميعنا نؤمن أن هناك أسباباً يمكن التحكم فيها للحفاظ على أرواح وسلامة الآخرين في المجتمع. استاء الجميع من حادثة الطفلة حبيبة ابنة الثلاثة أعوام، التي وافتها المنية منذ فترة في إمارة الشارقة، والتي كشف تقرير المختبر الجنائي في شرطة الشارقة أن وفاتها لم تكن بسبب تسمم غذائي تعرضت له، كما أشيع في بداية الأمر، ولكنها كما رجح الأطباء في مستشفى القاسمي، ناجمة عن تسرب غاز الفوسفين السام الذي استنشقته الضحية وشقيقها من الشقة المجاورة لهم.

بعد وقوع الحادث، وكما اعتدنا، بدأت ردود الأفعال تتباين وتتنوع، بين مطالبين بتجريم من يستخدم تلك المبيدات، وبين من بدأ بتوزيع نشرات تثقيفية حول مخاطر هذه المبيدات الحشرية، التي جعلتنا نشعر كأفراد أننا أخصائيون كيمائيون يمكننا التمييز بين الجيد من تلك المبيدات وغير الجيد، الصالح أو المضر، لكننا لم نستغرب أبداً ردود الأفعال تلك، فنحن للأسف نعاني من وجود مؤسسات لا تتحرك إلا بناء على ردود أفعال، وهذا هو السيئ وسبب كثير من المشكلات التي يروح الأفراد ضحايا لها.

مدير عام بلدية الشارقة أوضح أن حملات فرق البلدية في المتابعة والتفتيش مستمرة على كافة شركات المبيدات الحشرية العاملة في الإمارة، وأنه يتم منع الشركات والمؤسسات العاملة في مكافحة الحشرات من استعمال أي مبيد، إلا بعد إجازته والتأكد من صلاحيته. وقال إن كل المبيدات الحشرية التي تدخل الدولة، خاضعة للاختبارات والتحاليل في وزارة البيئة والمياه، والتي لا تسمح بتداول أي مبيدات حشرية إلا بعد التأكد من الموافقة عليها من منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الفاو، وأنها مجربة في بلد المنشأ.

فإذا كانت كل الإجراءات السابقة متبعه ومطبقة بحذافيرها، فليفسر لنا أحدهم كيفية دخول هذه المادة التي تسببت في وفاة الطفلة حبيبة، إلى الدولة وكيف سمح للعائلة باستخدامها؟ ونطلب توضيحاً من الجمارك عن الإجراءات المتبعة لضمان عدم تمرير مثل تلك المواد من خلال المسافرين الوافدين إلى الدولة، الذين قد يتسببون في وقوع كوارث من هذا النوع كما حدث في هذه القضية، وكيف ستتم مقاضاتهم في هذه الحالة بعد أن ثبتت وفاة الطفلة بسبب تلك المادة وتضرر شقيقها بها؟

القضية لا ينبغي أن تنتهي بتقرير مختبر جنائي أو بيان تصدره البلدية، أو منشورات توزع هنا وهناك تسعى من خلالها كل جهة لتبرير مواقفها أو إخلاء ساحتها من الاتهام، بل ينبغي أن تبدأ بعدها مسألة أخرى، وهي وضع المزيد من الإجراءات التي تحول دون تكرار وقوع حوادث من هذا النوع.

لا نستطيع لوم الجيران وحدهم في وفاة الطفلة حبيبة، فهناك ثغرات موجودة في الإجراءات المطبقة في التعامل مع المبيدات الحشرية التي يتم دخولها واستخدامها في الدولة. وإذا كانت البلديات تطالب الأفراد والجمهور بتوخي الحذر في استخدامهم لهذه المبيدات، رغم أنها ليست متخصصة، فالواجب يحتم على الجهات المتخصصة أن تقوم بأدوار أكبر حفاظاً على أرواح الأفراد وسلامتهم، فهذا دورها وواجبها قبل تحميل الأفراد مسؤوليات تفوق طاقتهم ولا تقع في اختصاصهم!