لا يمكن لأي أحد أن يشكك في قدرات ومواهب أبناء الإمارات وقدراتهم، والطاقات المختزنة في أعداد منهم، لا سيما في بعض التخصصات، والدليل على ما نقوله إنجازات نسمع بها هنا وهناك، تحققت بعقول وسواعد إماراتية منحت الفرصة وتهيأت لها الظروف.

الطالبة الإماراتية هيام البلوشي بكلية الهندسة في أبو ظبي، في عدد من أنشطة وكالة ناسا لأبحاث الفضاء. أتمت مهمتها التي استغرقت أربعة أشهر، حيث كانت مسؤولة جزئياً عن تصميم الأنظمة الميكانيكية، وابتكار بيانات سلامة الضغط وتجميعها وتوثيقها، وتحسين أداء عملية التحكم، لتلبية احتياجات رواد الفضاء من مياه الشرب أثناء رحلاتهم في الفضاء.

استوقفنا الخبر، ليس لأنه تضمن اسم طالبة إماراتية، فالتميز سمة في أبنائنا، فهيام تعد إحدى الست عشرة المتميزات الحاصلات على منح بحثية من وكالة ناسا الأميركية لأبحاث الفضاء، بموجب اتفاقية بين الوكالة ومؤسسة تطوير مشاريع شباب العرب الإماراتية غير الربحية، لكن الخبر أثبت للجميع من جديد فطنة «ناسا» وتفوقها على مؤسساتنا في حرصها على استقطاب المتميزين من أبناء الإمارات.

وغيرها من الدول، والاستثمار فيهم لدعم أبحاثها، في الوقت الذي قد تكتفي فيه غالبية مؤسساتنا الوطنية في رعاية مالية لبرامج تنظمها مؤسسات غير ربحية، في حين ينبغي أن يتجاوز دورها إلى استقطاب المتميزين، والاستثمار فيهم منذ وجودهم على مقاعد الدراسة، وحثهم على العمل فيها، لأن ذلك يعد استثماراً على المدى الأبعد، ولو كان الأمر خلاف ذلك، لما تكلفت «ناسا» عناء ضمهم إليها لمدة أربعة أشهر، والإشراف عليهم ومتابعتهم، بل والاحتفاظ بنتائج عملهم.

وهذه مشكلة بعض المسؤولين لدينا، والتي تكمن في عدم قدرتهم على تقدير العقول المبتكرة والمتميزة التي تعد الثروة الحقيقية لأي مجتمع.

في السابق، كان المسؤولون يعرفون الناس فيجدون ضالتهم من الكفاءات في المجالس، فيمنحونهم الثقة والمسؤولية، حتى قبل الاطلاع على شهاداتهم العلمية، فوجد الرعيل الأول الذي بنى دولة الاتحاد وأرسى قواعدها الصلبة، لأن الاختيار كان صائباً، رغم أن التقنيات ووسائل الاتصال لم تكن متاحة بالشكل الذي نجده اليوم.

اليوم، اكتظ المجتمع بوسائل الاتصال والتقنيات والشهادات العلمية، وبوادر التميز واضحة، ومع ذلك يعجز كثير منهم عن الاستثمار في هذه الطاقات الخلاقة، منصرفين إلى شكليات أفقدت المؤسسات قوتها، بسبب ضعف إدارات الموارد البشرية وخططها وآليات العمل فيها، التي لا نعلم إلى متى ستستمر في هذه الأساليب التي لن تفقدنا كفاءات الوطن في الأبحاث الميكانيكية فحسب، بل في مجالات أخرى، بسبب تعطيلها لها، وعدم استفادتها منها، بتركها تحت مسمى «باحثين عن عمل»!