عندما كتبنا من يومين عن التقاعد المبكر وضرره على مجتمع الإمارات، خاصة عندما يتقاعد الأفراد في أعمار مبكرة لم يصلوا فيها إلى الخامسة وخمسين عاماً للسيدات، والستين عاماً للرجال.
فوجئنا بغضب مجموعة من السيدات اللاتي اعتبرن المطالبة بالعمل حتى هذا العمر إجحافاً بحقوقهن الإنسانية، ونزاعاً على تأدية مسؤولياتهن الأسرية، وإجهاداً لأجسادهن التي اعتبرنها لا تقوى على العمل حتى تلك العمر، بل واعتبرت بعضهن أننا ضد تقاعد المرأة المريضة، وبالغت بعضهن لدرجة أنها أرادت التقاعد المبكر بكل مزاياه للمتزوجة، في حين تمنع منه غير المتزوج!.
كل ما سبق من افتراضات، وجدناه عاطفياً لم يرتقِ إلى الأسلوب العلمي والموضوعي في النقاش والحوار. فالمرأة الموظفة، والأم في الوقت نفسه، لا نعتقد أنها ستتفرغ لتربية أبنائها بعد أن تتقدم بهم الأعمار ويصبحوا معتمدين على أنفسهم، فحاجتهم إليها أكبر وهم في الصغر.
وهو ما جعلنا نطالب في مرات سابقة بتعديلات على إجازات الوضع والحضانة، أسوة بالدول المتقدمة. أما وضع حجة تربية الأبناء بعد مرور خمسة عشر عاماً أو عشرين، فذلك ليس بسبب منطقي، إذ يجدر بالمرأة التفرغ وشغل أوقات فراغها بما يعود عليها وعلى أسرتها ومجتمعها بالخير، من خلال الخدمة والمشاركة في أعمال تطوعية، إن لم يكن لديها وظيفة محددة، وإن كانت موظفة، فمن باب أولى أن تبدع في وظيفتها، وتطمح لتقديم الأفضل.
أما المرأة التي لديها أسباب مرضية تحول دونها ودون الاستمرار في العمل، فلا نعتقد أن جهة طبية معتمدة في الدولة سترفض إصدار تقرير طبي يعفيها من مزاولة مهنتها، خاصة وأن هناك حالات أحيلت للتقاعد، وحصلت على مستحقاتها، بسبب الأوضاع الصحية، وليس بأسباب اختلقها البعض وحصلوا عليها بفعل «الواسطة»، تهرباً من المسؤولية، وللحصول على راتب في حقيقة الأمر لا يستحقونه!.
أما الحديث عن جواز التقاعد المبكر للمرأة المتزوجة وعدم جوازه للعزباء، ففي ذلك عنصرية، وإلغاء المساواة في العمل التي نؤمن بها في الإمارات، فكم فتاة عزباء أكثر إنتاجية واجتهاداً من موظفة متزوجة، والعكس، فالمقياس ليس وضع الإنسان الاجتماعي من ناحية الزواج، بل إنتاجيته وقدرته على العمل والعطاء دون تمييز بين جنس أو حالة اجتماعية.
إذا كان عمر الدولة، منذ اتحدت، لم يتجاوز الأربعين عاماً، فكيف نقبل اليوم كمواطنين بالتقاعد في عمر الأربعين؟ وكيف يمكننا إفادة المؤسسات من خبرات الرعيل الأول الذي بنى وأسس؟ وكيف يمكن لصندوق المعاشات الاستمرار وسط الخسائر التي يتكبدها بسبب هذا التقاعد المبكر، رغم أنه ليس همنا الوحيد؟
فهمنا الأكبر هو وقف سيل التقاعد المبكر للنساء والرجال، والذي لا يشعر بمراراته سوى أولئك الذين أحيلوا للتقاعد رغماً عنهم لظروف ترتبط بعملهم، فوجدوا أنفسهم بين مطرقة الفراغ، وسندان تكاليف الحياة، في حين خسرت الدولة عقولهم وخبراتهم.