يستعد طلاب الثانوية العامة في الإمارات خلال الأسبوع الجاري، لامتحانات نهاية الفصل الدراسي، ودعواتنا تسبق تلك البداية لهم بالتوفيق والنجاح لتكون ممهدة لمرحلة أهم، وهي مرحلة الدراسة الجامعية التي نعتقد أن أغلبهم قد قرر واختار التخصص الذي يرغب في دراسته.

اختيار التخصص الجامعي مرحلة مهمة، ولا ينبغي إيكال المسؤولية فيها للطالب فقط، بل لابد من إرشاد مبكر تقوم به المؤسسات للطلبة، لنضمن استفادة المجتمع من هذه الطاقات. فهناك تخصصات مهمة ما زلنا نشعر بأن الإمارات لم تكتف فيها، بدليل اعتمادنا على غير الإماراتيين فيها، كمهنة الطب والتمريض والهندسة.

 ورغم الحاجة الملحة لزيادة عدد الكوادر والمختصين في هذه المجالات وغيرها، لا سيما المهنية، إلا أن واقع هذه المهن الحالي وضعف الترويج لها ربما يكون سببا في نفور بعض الطلبة من الالتحاق بتلك التخصصات ودراستها، وهو ما لا نأمله، خاصة وأننا ما زلنا في بداية الطريق ولدينا في الدولة العديد من المشاريع الصحية والمعمارية والإدارية ومشاريع الطاقة، التي تحتاج لأن تُضخ فيها أعداد من الخريجين للعمل فيها بعد اكتمالها.

نأخذ على سبيل المثال واقع مهنة الطب، فواقعها في الهيئات المحلية ربما يكون أفضل من الجانب الاتحادي، وهو ما دعا مجلس الوزراء ووزارة شؤون الرئاسة للتدخل مؤخرا لإنهاء مشكلة أطباء الامتياز، الذين لم تصرف رواتبهم من وزارة الصحة لشهور.

إثارة هذه القضية عبر وسائل الإعلام المختلفة، سببت نوعا من الإحباط لدى الطلبة الذين كان لديهم التوجه لدراسة الطب، خاصة وأن أطباء سبقوهم تركوا هذا المجال للعمل في مجالات إدارية أخرى، رغم أن الإمارات حريصة كل الحرص على دعم الأطباء ماديا ومعنويا، وحريصة أكثر على رفد القطاع بكوادر إماراتية متخصصة، بدليل كليات الطب في الدولة والبعثات الخارجية والمنح لدراسة هذا التخصص. وتسبب هذا الخطأ الإداري في أزمة كان من الممكن تداركها، لو التفتت إليها وزارة الصحة مبكرا.

المأمول الآن، بعد إعادة الاعتبار لطلاب امتياز الطب التي ستحث مزيدا من الطلاب على دراسة الطب، هو التركيز على توجيه خريجي الثانوية العامة لدراسة تخصصات ما زالت الإمارات بحاجة لتواجد أبنائها فيها، كالطب والهندسة والمحاسبة ومجالات الطاقة والقانون وإدارة الموارد البشرية، وإيجاد البيئات التعليمية والتدريبية والإجراءات والقوالب الإدارية التي تضمن اقتناع الخريجين بهذه الاختصاصات، بدل الالتحاق بتخصصات تشبعت منها السوق المحلية وساهمت في وجود باحثين عن عمل، عاجزين عن الالتحاق بمؤسسات اكتفت بتخصصات درسوها.

وهذا التوجيه لابد أن يكون مقرونا بخطة دراسية مشفوعة بأسماء مؤسسات توفر شواغر لتلك التخصصات، وتوضح مهام الموظف ومسؤولياته بحوافز تغري الطلاب للدراسة والاجتهاد في التخصص الذي سيتم اختياره، ليستشعر الطالب أهمية ما سيقدم على دراسته.

المسألة ليست صعبة أو مستحيلة، ولكنها بحاجة لخطة نثق بأنها في أولويات صناع القرار، لكن التطبيق يتطلب مزيدا من التنسيق بين مؤسسات التعليم العالي والمؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية. يبقى الجانب الأهم وهو ما تعمد إليه الدول المتقدمة في توجيه خريجيها لكي لا تواجه بطالة وصفوف باحثين عن عمل بعد تخرجهم، وهو ما نتمنى أن نراه في واقع مجتمعنا المتعطش لوجود أبنائه في مؤسساته، متفوقين ومبدعين، لأنهم قادرون.