مهما عظمت إنجازات الإنسان يبقى دائما بحاجة لمن يذكره بمسؤولياته، ويبقى بحاجة اكبر لمراجعة ادائه بين وقت وآخر. وهو ما لمسناه في اللقاء الأخير الذي جمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم بمديري ورؤساء الدوائر المحلية في امارة دبي عندما تحدث اليهم عن مسيرة تطوير الاداء الحكومي.
ايام قليلة فقط سبقت هذا اللقاء كنا قد شهدنا قبلها تكريم مؤسسات دبي في جائزة الاداء الحكومي المتميز. لكن حديثا من هذا النوع بصراحته كانت له اهميته البالغة من وجهة نظرنا، اقلها الا يعتقد اولئك الذين صعدوا منصة التكريم ان دورهم انتهى، أو يعتقد من لم يكرموا ان الفرصة قد فاتتهم فيزدادوا إحباطا على إحباطهم. والاكثر ان توجيهات سموه سلطت الضوء على اخطاء ادارية موجودة لا يمكن انكارها وربما لم يكن لبرنامج الاداء الحكومي المتميز التصريح بها أو تحليلها بهذه الدقة رغم انها سبب شكوى الافراد وتراجع الاداء في بعض المؤسسات.
توجيهات سموه كانت نحو إطلاق المبادرات الجديدة، واقتناص الفرص وتوظيف الوقت، وعدم الاكتفاء بالجلوس وراء المكاتب بعد انجاز أي مشروع، ومشاركة قيادات الصف الثاني والثالث في اطلاق المبادرات وصنع القرارات، وتوفير التسهيلات القانونية واللوجستية بعيدا عن الروتين والبيروقراطية، والنزول إلى الميدان للاطلاع على جوانب أي قصور ومعالجتها، والتعاون والتنسيق بين الدوائر المحلية، وحسن استقبال ضيوف الإمارات. من يحلل تلك التوجيهات يكاد يجزم ان لا دائرة تخلو منها، خدمية، قضائية قانونية، وغير ذلك.
وهذا امر طبيعي لان مؤسساتنا لم تصل إلى مرحلة الكمال في الإدارة، وان كان مدير الدائرة يسعى لتحقيق الكمال فعليه تحويل تلك التوجيهات إلى منهج عمل فعلي بالتخلص من الانا الاداري واتاحة الفرص لقيادات الصف الثاني والثالث للمشاركة في صنع القرار، وتحويل الميدان إلى مكتب يمارس من خلاله مهام عمله بدل التقوقع في مكاتب حولت بعض الاعمال إلى روتين قاتل، واجراءات بيروقراطية عسرت على الافراد بدل التسهيل عليهم. التوجيهات تذكر الجميع بمسؤوليات لا يجهلها أي منا.
وقد جاءت بلغة متفائلة ولقاء ودي وصريح لم تنتقص من اداء أي مسؤول، وهو الامر الذي قد لا يحظى به مسؤولون آخرون في دول أخرى، ما يستوجب التحرك نحو تحقيقها في واقع مؤسساتنا ليس من اجل دبي بل من اجل الامارات التي تملك مقومات تساعد على وضعها بين مصاف افضل الدول في العالم متى ما احسن المسؤولون ادارة مؤسساتهم، وتوظيف الطاقات البشرية والمالية والاستثمار الامثل فيها، وذلك كله ليس بالأمر المستحيل طالما وجدت الارادة.