في السابق كانت الخلافات بين طلبة المدارس لا تتجاوز التعدي بالكلام والمشاجرات التي تنتهي أحياناً بالضرب والتعدي الطفيف، الذي لا يصل إلى حد الضرر الجسماني إلا في النادر، وفي الصفوف المتأخرة كالمرحلة الثانوية. ولكننا اليوم نفاجأ بأخبار عن مشاجرات وحوادث تقع في الفصول الدراسية والساحات المدرسية، بين طلاب في المراحل الابتدائية، ومنتهية بنتائج وخيمة، كأن نسمع عن إصابات بارتجاج في الدماغ، أو إصابات في العين وباقي أطراف الجسد، ما يجعلنا نختصر هذه المشاهد في وصف واحد بأنها «عنف لا يحتمل».

صور هذا العنف لم تكن معهودة في مدارسنا في الإمارات، وإن وجدت ففي بعض المدارس وفي ظروف استثنائية، أما تكرارها وبهذه الصورة والدرجة فهو أمر يستحق الوقوف عنده، حيث لم يعد تعرض الطلاب للعنف سلوكاً فردياً بل جماعياً، حيث تتفق مجموعة من الطلاب على أحد زملائهم فينهالون عليه ضرباً، وفي غالب الأوقات تفقد المدرسة سيطرتها على ضبط النظام وسلوك الطلبة.. كيف لا وقد أصبح الطلاب لا يتورعون عن القيام بذلك كله أمام مرأى الإداريين والمعلمين والزملاء الآخرين، الذين بدأ يؤكد بعضهم عدم قدرته على ضبط سلوكيات الطلاب التي لا تعكس مرحلتهم العمرية بقدر ما تعكسه من اضطراب نفسي واجتماعي، لا يمكن للمدرسة أن تقيمه وتحله وحدها ما لم يتعاون الأهالي معها، وما لم يكن لدينا المختصون للقيام بذلك.

المشكلة كبيرة ولا يمكن تحميل المدارس والعاملين فيها المسؤولية وحدهم دون غيرهم، فلدى الإداري والمعلم والمشرف أو الأخصائي الاجتماعي، الذي غالباً ما يعمل وحيداً في المدرسة، مهام كبيرة للقيام بها طوال اليوم الدراسي، وقد يفوتهم التدخل السريع لوضع حد لهذه الخلافات الدموية بين الطلاب.

نحن بحاجة إلى مزيد من الإجراءات لضبط سلوك الطلاب ومعرفة الأسباب التي تدفعهم نحو العنف الجماعي، الذي لا تمكن مقابلته بفصلهم من المدارس وتضييع فرص الدراسة عليهم، أو بمعاقبة أسرهم التي يفترض أنها ترفض وقوع أبنائها في هذا النوع من المشاجرات، سواء كان أبناؤها جناة أو مجنياً عليهم.

«العنف الجماعي» في مدارسنا ظاهرة جديدة، تستدعي تعيين أخصائيين نفسيين واجتماعيين من قبل وزارة التربية والتعليم، لمتابعة الطلبة وضبط سلوكهم ودراسة الأسباب الكامنة وراء نزعة العنف لديهم، ليتم توجيههم ومعالجة سلوكهم بالتعاون مع الأسر. فترك العنف يكبر وتتسع دائرته من المرحلة الابتدائية، مؤشر خطير ستكون له تداعياته على مراحل أخرى، وسيدفع المجتمع الثمن غالياً، وهو ما لا يتمناه أي منا في مجتمع لم يكن العنف سمة لأبنائه في يوم من الأيام.