أبدأ مقال اليوم بعبارة كتبتها الأخت زكية عبدالله «الطب هو المهنة التي نعد الأكثر احيتاجاً لها، والأقل تخطيطاً فيها، لو تتبعنا أمور هذه المهنة الشاقة منذ لحظة اختيار التخصص مروراً بالتدريب ثم التعيين، لوجدنا مغالطات وعراقيل كثيرة منفرة». قالت القارئة مقولتها تعليقاً على ما كتبناه عن طلاب سنة الامتاز الذين لم تصرف لهم وزارة الصحة رواتب منذ سبعة أشهر، وما زالت تصريحاتها غير واضحة في هذا الشأن.
رواتب أطباء الامتياز، وما سبقها من مطالبات تتعلق برفع رواتب الأطباء العامين والأخصائيين والاستشاريين وتحسين علاواتهم وامتيازاتهم، أو ما يتصل بترك بعضهم للعمل في الوزارة واتجاهه للعمل في هيئات صحية محلية أو مستسشفيات خاصة، أو ترك المجال بأكمله والاتجاه للعمل في قطاع آخر، وتزايد أعداد متلقي العلاج في الخارج، والأخطاء الطبية وغير ذلك.. كلها قضايا تؤكد وجود خلل إداري في أحد أهم القطاعات لدينا في الإمارات، وهذا الخلل هو الذي يفسر تراجع مستوى الخدمات الصحية، بما لا يتلاءم مع مستوى التنمية الذي حققته الإمارات في مختلف المجالات.
لا نبالغ في ما نصف أو نقول، فلا يكاد يمر يوم إلا وشكوى من القطاع الصحي تتصدر القضايا المحلية في إعلامنا المحلي، ولا يكاد يخلو منزل في الدولة من شخص لا يمنح ثقته المطلقة لهذا القطاع، الذي يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد ليصبح أفضل مما هو عليه، لا سيما والإمارات لا تنقصها الإمكانات المادية أو البشرية لتحقق ذلك.
بتنا في حيرة، ففي السابق كنا نشجع الأبناء على دراسة الطب، باعتبار تعطش الإمارات لوجود الإماراتيين في هذه المهنة، لكن واقع المهنة المنفر وقلة الحوافز دفع الكثيرين للتراجع عن فكرة إلحاق أبنائهم بها، وكأن التاريخ يعود بنا سنوات إلى الوقت الذي اضطرت فيه الإمارات للاعتماد على أطباء من الخارج، لأنه لم تكن لديها جامعات وكليات للطب، ولم يكن طلابها المبتعثون لدراسة الطب في الخارج قد عادوا، ولم يكتسبوا الخبرات الكافية للاعتماد عليهم دون غيرهم.
من المؤسف، بل والمؤلم أن تكون «الدراهم» اليوم، وبعد أربعين عاماً من قيام الاتحاد، سبباً في إحباط أطباء وتراجع مستوى قطاع صحي، فلو كان هذا السبب قد أعلن في بقعة جغرافية أخرى لربما تقبلناه، ولو كان السبب هو وجود آلاف الخريجين من الأطباء دون عمل، مقابل آلاف الإماراتيين المعينين في مستشفياتنا ومراكزنا الصحية، لكان الأمر أيضاً مقبولاً، لكن الواقع يؤكد خلاف ذلك، وهنا تكمن المشكلة، فهل تشخص وزارة الصحة أين تكمن علتنا؟