لطالما تحدثنا عن سلبيات التقاعد المبكر بالنسبة للمجتمعات لاسيما الحديثة منها كمجتمع الإمارات، وقلنا إن التقاعد يحرم الإمارات وغيرها من الاستثمار الأمثل في أبنائها ويزيد من الاعتماد على غيرهم من الجنسيات. مناسبة حديثنا عن التقاعد المبكر الوضع الذي آل إليه عشرة إماراتيين في مواصلات الشارقة بعد فصلهم من عملهم فجأة دون مقدمات، رغم أن أعمارهم في الثلاثينات وتقديرهم السنوي امتياز خلال خمس سنوات عملوا فيها، ورواتبهم لا تكلف الكثير كونها لا تتجاوز الثمانية آلاف درهم شهرياً.
الزميلة «الإمارات اليوم» حصلت على توضيح من المؤسسة للأسباب التي دعت إلى إنهاء خدماتهم، إذ ارتأت المؤسسة إتاحة الفرصة لتعيين كوادر مواطنة جديدة من الخريجين الجدد والباحثين عن عمل لسد حاجاتهم المعيشية، ومنحهم الفرصة لبناء حياتهم العملية، في حين أن الموظفين الذين تم إنهاء خدماتهم كانوا ملتحقين بوظائف حكومية، واختاروا التقاعد المبكر بإرادتهم، واستقطبتهم المؤسسة للعمل حين كان هناك شواغر في درجات وظيفية»، مشيرة إلى أن «المسألة تتعلق بتطبيق استراتيجية عامة تهدف إلى تحقيق مصلحة وطنية».
جواب المؤسسة، من وجهة نظرنا غاب عنه المنطق، فحرصها على خلق فرص عمل للخريجين الإماراتيين لا يعني القبول بإرباك حياة موظفين آخرين عملوا بجد وإخلاص لمجرد أنهم كانوا متقاعدين بإرادتهم، فقبولها لهم وتوظيفهم يفترض الإكمال معهم حتى النهاية دون وضعهم في نصف طريق لم يعد أي منهم يعرف كيف يكمله، خاصة أن كلا منهم يتحمل التزامات أسرية وبنكية لا يمكن أن تغطيها البطالة التي أصبحوا في عدادها اليوم، ولو كان مبدأ المؤسسة توفير الفرص للخريجين الجدد فليكن ذلك من البداية بتقديمهم على المتقاعدين أو بتخصيص الوظائف الاستشارية للمتقاعدين في حين تخصص باقي الوظائف لغيرهم.
تقدير الموظفين وما يقدمونه من خدمات في المؤسسات لا يمكن أن يكون بهذا الشكل ولو لحساب خريجين حديثين. فلو كان احد الخريجين ابنا لأحد أولئك العشرة الذين تم إنهاء خدماتهم فلن يقبل بالوظيفة حتى وإن كانت فرصة العمل الوحيدة التي أمامه، فالعمل له مبادئ وتحكمه قيم وأصول إنسانية واجتماعية واقتصادية قبل عقود يوقعها الموظف، فهل تعي هذه المؤسسة وغيرها ذلك؟
نأمل على صناع القرار في إمارة الشارقة التدخل لإعادة الموظفين إلى وظائفهم وإعادة الاستقرار والطمأنينة إلى نفوسهم، فمطالبتنا هذه لا تعارض استراتيجية المؤسسة بقدر ما هي مطالبة لإنصاف أبناء البلد الذين لم يكن لهم ذنب سوى التقاعد المبكر والانضمام لمؤسسة ارتأوا أن ظروف العمل فيها أنسب لهم، هذا هو المأمول والمرجو، وما نثق بأنه سيتحقق في ظل العدالة التي اعتدنا عليها!