في دولة خليجية، وفي أحد محال المراكز التجارية المعروفة تجولت، وعندما احتجت لمساعدة أحد العاملين في المحل التفتّ يمنة ويسرة فإذا بشاب خليجي يتقدم إليّ عارضاً المساعدة، لكن مفاجأتي بسبب ثقافة الشاب الذي يحمل جنسية البلد الذي كنت أزوره وأسلوبه الذي ينبئ بمستوى تعليمه العالي، شغلني عن حاجتي ودفعني للاعتذار والتعلل بأني وجدت ضالتي مع أن ذلك لم يحدث!

بحثت من خلال بعض المعارف والأصدقاء في ذلك البلد عن أسباب عمل هذا الشاب وغيره في هذه الوظائف، فعلمت أن معظمهم جامعيون قبلوا العمل في القطاع الخاص برواتب لا تتجاوز الثلاثة آلاف درهم لعدم توافر وظائف حكومية، ولأن الحكومة تفرض على القطاع الخاص تعيين أبناء البلد بنسب معينة، ما يضطر الخاص لتعيينهم في تلك الوظائف وغيرها وبرواتب متدنية، حتى لا يخسروا علاقتهم بالحكومة ولا يخسروا عمالاً وموظفين ينهضون بمؤسساتهم وشركاتهم.

هذا الموقف دفعنا للتساؤل عن مفهوم التوطين الذي تنتهجه بعض دول الخليج للتخلص من أرقام البطالة المرصودة فيها، والذي خشينا انتقاله إلينا هنا في الإمارات. فهل يعني التوطين الزج بالجامعيين في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو حتى ثقافة مجتمعاتهم؟ أو يعني استغلال حاجة الشباب للعمل ودفعهم نحو قطاع خاص لا يفكر بعضه إلا في مصالحه؟ أم يعني التوطين ترك الشباب للبطالة والفراغ الذي قد ينتهي بهم إلى مشكلات سلوكية أو إخفاقات فكرية؟

أسئلة كثيرة يمكن طرح المزيد منها، لأننا نتحدث عن جامعيين قضوا سنوات من عمرهم للعمل بعد التخرج في مؤسسات تحترم قدراتهم، ويسهمون من خلالها في تقليل اعتماد دولهم على جنسيات لسنا بحاجة إلى العديد منها، في ظل تنامي التخصصات وأعداد الخريجين.

قد يعتقد بعضهم أننا نتحسس من عمل الشاب الخليجي في محل ملابس نسائي أو في وظائف أخرى لا يتردد غيره من الشباب في العمل فيها، عرباً كانوا أو أجانب، لكن تحسسنا ليس عاطفياً بقدر ما يحكمه المنطق، إذ إنه ليس في ذلك العمل خبرات أو مهام معقدة سيكتسبها الجامعي، ولو كان العامل فيها حاصلاً على إعدادية أو ثانوية لأصبح الأمر أهون لتحميله ضريبة عدم إكمال تعليمه، كما أنها وظائف لا تتوافق مع اعتبارات المجتمع الخليجي الثقافية والاجتماعية.

 أما السبب الأهم فهو أن خريجي الخليج الجامعيين لم يشغلوا وظائف المؤسسات الحكومية كلها، ولم يصبح الإحلال بعد منطقاً سائداً، خاصة في وظائف لا تتطلب "عبقرية"، وإن كان أبناء الخليج لا تنقصهم تلك "العبقرية" حتى نتركهم للعمل مساعدين للباعة في محال نسائية أو في وظائف أخرى تتراجع بقدراتهم.

واقع التوطين في دول الخليج بحاجة إلى نقاش، قبل اتساع الخرق على الراقع!