منذ أيام قرأنا تصريحات عفراء البسطي، المديرة التنفيذية لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، التي قالت فيها إن مجتمع الإمارات يشهد قبولاً متزايداً لنبذ العنف المنزلي، وهو ما يتجلى من خلال الارتفاع في عدد البلاغات المقدمة عن مثل هذه الحالات من ضحايا العنف الأسري، وسوء معاملة الأطفال، وضحايا الاتجار بالبشر.
وأضافت ان تنامي عدد الأشخاص الذين يطلبون الحماية والمساعدة، يعكس رغبة الضحايا في كسر حاجز الصمت، على عكس ما كان سائداً في الماضي، حيث كان الناس يترددون في الإبلاغ عن مثل هذه الحالات، لأنها تشكل في اعتقادهم مسائل عائلية خاصة.
تصريحات البسطي كمديرة لهذه المؤسسة، لها أهميتها لعدة أسباب، فارتفاع حالات الإبلاغ عن العنف الأسري مسألة مهمة، لأنها تعني ثقة الأفراد في مؤسسات وجدت من أجلهم، وتعني أداءً جيداً كان سبباً في ارتفاع الحاجز النفسي والاجتماعي، الذي كان يحول دون حماية الواقعين تحت وطأة هذا العنف، إلا أن الإبلاغ عن التعرض للعنف، ومحاولة احتواء المتعرضين له أو المهددين به، أمور تحتاج إلى المزيد من الدراسات والبحوث من تلك المؤسسات، لتقوم بدورها على الوجه الصحيح على مستوى الإمارات.
فغياب البيانات كما قالت عفراء البسطي، يعد من أهم التحديات التي تواجه مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال وغيرها من المؤسسات، ونحن نقول إنها تمثل تحدياً يواجه مجتمعاً بأكمله.
وليس مؤسسات رعاية فحسب. فوجود تلك البيانات يضع أيدينا على الداء، ويسهل وصف الدواء، ويجعل الصورة أكثر وضوحاً وتقضي على المشكلة من جذورها، لا سيما بعد معرفة الأسباب التي تقف وراء مظاهر هذا العنف، الذي لم يعرفه مجتمع الإمارات الذي يعد من أكثر المجتمعات تميزاً بالأمن والاستقرار الاجتماعي، ولم يعهد العنف كظاهرة بين أفراده، وإن وجدت فهي حالات فردية لا يمكن تعميمها، إلا أن طبيعة التركيبة الديمغرافية لمجتمع الإمارات.
وتواجد أكثر من 160 جنسية على أرض الدولة، سبب في وجود ثقافات متعددة وسلوكيات إيجابية وأخرى سلبية كالعنف، ولو كانت لدينا الإحصائيات والبيانات التي توضح جنسية المتعرضين للعنف الأسري أو ضحايا الاتجار بالبشر، لوجدنا غالبيتهم من غير الإماراتيين، ومن المقيمين في الدولة أو الداخلين إليها بتأشيرات سياحة أو زيارة.
تنامي عدد الأشخاص الذين يطلبون الحماية والمساعدة من المؤسسات التي أوجدتها الدولة لحماية الأفراد من أي عنف قد يتعرضون له، وسعي تلك المؤسسات لرعاية الأفراد، لا سيما النساء والأطفال، أمر يحسب للإمارات. لكن ما يهمنا هو عمل المؤسسات وفق منهج بحثي يقوم بدراسة أسباب تنامي العنف في المجتمع، وإعداد الإحصائيات التي يمكنها تصنيف الواقعين تحته والمتسببين فيه، فذلك سيكون من أكثر الوسائل المعينة على مكافحة العنف من جذوره، ومحاربته قبل الوصول إلى مرحلة الشكوى والتذمر منه أو الوقوع ضحية له. هذا هو المأمول والمتوقع من المؤسسات التي تقدم دعمها للأسر وللنساء والأطفال، والتي تحتاج إلى دعم المؤسسات الأخرى في هذا المجال.