ربما يعتبر بعضهم الحديث عن أوضاع الأطباء المواطنين في المستشفيات التي تتبع وزارة الصحة أو بعض الهيئات الصحية المحلية في الإمارات، حديثا مملا باعتبار تكراره وكثرة المطالبات فيه للأطباء بتحسين أوضاعهم وزيادة رواتبهم لترتقي لمستوى المهنة التي يمتهنونها، ولتكون عونا لهم على المشاق التي يتحملونها عند ممارسة هذه المهنة الإنسانية، لا سيما بعد سنوات الدراسة الطويلة التي يبدو أنها لم تشفع لهم حتى الآن، وليست مبررا حتى الساعة للحصول على رواتب مجزية بدل الرواتب التي يتقاضونها حاليا.

الحديث عن أوضاع هؤلاء الأطباء وتكرار المطالبة بتحسين رواتبهم، لا سيما في وزارة الصحة وهيئة الصحة في دبي، أمر لا بد منه ولا بد من الإلحاح فيه، لا سيما ونحن نشهد استقالات بعضهم ووجود محبطين بينهم، ونخشى أن يؤثر ذلك كله على مستوى أدائهم الذي سينعكس بالتالي على صحة الأفراد وسلامتهم، وهو الأمر الذي لا يرغب فيه الأطباء ولا يرغب أي منا في حدوثه.

لا يعقل أن نرى طبيبا مختصا درس عشر سنوات وأكثر في مجال الطب، ومارس المهنة سنوات أخرى لا تقل عن العشر، ولم يتجاوز راتبه الثلاثين ألف درهم أو الأربعين، في الوقت الذي يتقاضى فيه خريج حديث من جامعة محلية وفي تخصص عادي، راتبا يصل إلى الثلاثين ألف درهم إن لم يتجاوز هذا الراتب، ولا يعقل أن نجبر طبيبا متخصصا على تأدية مهامه كطبيب ونلزمه بتحمل مهام إدارية للنهوض ببعض الأقسام والإدارات، مقابل راتب متدن.

بينما نستقطب أطباء زائرين أجانب وبرواتب خيالية ضعف راتبه مرتين وثلاث مرات، ولأسباب غير معروفة، لا سيما إن كان طبيـبنا المواطن هو المشرف على هؤلاء الأطباء الزائرين!

ولا يعقل أن نستغل حب الأطباء لمهنتهم وإخلاصهم وتفانيهم لوطنهم، كي نجبرهم على تحمل كافة الضغوط النفسية والاقصادية التي يتسبب فيها الراتب. عمر الإمارات أربعون عاما، وإذا كنا نشهد اليوم نزفا في كوادرنا الطبية الإماراتية على المستوى الاتحادي والمحلي، بسبب تدني الرواتب وضعف الحوافز، فتلك مسألة لا بد من مواجهتها بتعديل أوضاع الأطباء وإعادتهم إلى ساحات مستشفياتنا ومؤسساتنا الطبية، فالخبرات التي اكتسبوها نظير عملهم ونظير سنوات غربتهم في الخارج، حين لم تكن المؤسسات التعليمية جاهزة لتعليمهم في الدولة التي استثمرت في تعليمهم، يحتم عليها الاستثمار في طاقاتهم وخبراتهم، لا التفريط فيهم لصالح مهن ووظائف أخرى، أو لصالح قطاع خاص لا يفترض أن يتفوق بإمكاناته على إمكانات مؤسسات محلية أو اتحادية في الدولة.