قرأنا منذ أيام عن اعتزام وزارة الشؤون الاجتماعية إطلاق مبادرة لتفعيل دور المتقاعدين المواطنين في الإمارات، والقادرين منهم على العطاء في النشاطات الاجتماعية والمهنية التطوعية، للاستفادة منها كوزارة في الحفاظ على تماسك الأسرة، حيث أكد الكثير من المواطنات معاناتهن من الخلافات الأسرية التي تنامت بعد تقاعد أزواجهن، لدرجة أوصلتهم إلى الطلاق.

مع تقديرنا لاجتهاد الوزارة وغيرها من الوزارات، في إطلاق هذه المبادرات التي تهدف للاستفادة من المتقاعدين مبكرا، إلا أننا نعتقد أن هذا النوع من المبادرات لا يعالج خللا لطالما تحدثنا عنه وأملنا معالجته من جذوره، لا سيما وأن الإمارات تعد من الدول التي يعتبر معظم سكانها من الشباب الذي يفترض أنها تعتمد عليهم اعتمادا كبيرا في البناء والتنمية، ولا يفترض أن تسلم الفئة الأكبر منهم لأسباب عادية للتقاعد المبكر، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أشبه ما يكون بموضة اجتاحت صفوف الموظفين المواطنين في مختلف مؤسساتنا الوطنية، لأسباب يمكن تجاوزها.

خاصة إن كانت تتعلق بسأم من روتين عمل اعتادوا عليه، أو نتيجة تهميش مؤسسات أسلمتهم للتقاعد للتخلص منهم، أو بسبب قوانين منحت المترددين منهم حق التقاعد المبكر الذي جعلهم يسارعون إليه، فتسببوا في نزيف للدولة ومؤسساتها يوم ساهموا في خسارة كوادر بشرية بعد اكتسابهم الخبرات اللازمة، وفي الوقت الذي ينبغي أن يقدموا للدولة نتاج تلك الخبرات للمؤسسات وللمنضمين إليها حديثا.

قد تكون الخلافات الأسرية التي تتحدث عنها الزوجات ووزارة الشؤون الاجتماعية، والتي يتسبب فيها الأزواج المتقاعدون بشكل مبكر، ما هي إلا وسائل للتعبير عن الطاقات الكامنة في نفوسهم والتي لا تكفي الأعمال التطوعية لاستيعابها، فالعكسري والمهندس والإداري وغيرهم من المتخصصين، لن يطمحوا للاكتفاء بدور تطوعي، بعد كل سنوات العمل الجاد والخبرات التي اكتسبوها، بل هم بحاجة لأعمال أكبر وتحديات أصعب يثبتون فيها أنفسهم، ويستطيعون استثمار طاقاتهم فيها لخدمة الوطن أولا ثم أنفسهم وأسرهم ثانيا.

وهو الأمر الذي لا بد أن تلتفت إليه الدولة من خلال قوانين تمنع وتحد من التقاعد المبكر غير المبرّر، ليس من خلال الأفراد فحسب، بل من خلال ضبط المؤسسات التي عمد بعضها إلى إحالة الشباب إلى التقاعد بشكل مباشر أو غير مباشر، بعد أن همشت وقلصت أدوارهم، فهذا النوع من التقاعد يستنزف خيرات الدولة ويهدر طاقات أبنائها، ويجعلها عاجزة عن الاستغناء عن الكوادر الأجنبية التي يتم استقطابها في تخصصات تشبعت الدولة منها بدليل وجود عاطلين أو متقاعدين بشكل مبكر.

لا نريد معالجة مشكلة التقاعد المبكر لدرء الخلافات الأسرية التي لها أهميتها في التأثير على بناء المجتمع فحسب، بل للحفاظ على نسيج اجتماعي ومصالح وطنية لا يفترض التنازل عنها في دولة ما زال أمامها الكثير من الخطط التي تحتاج للأكفاء من أبنائها للمساهمة فيها.