يبدو أن ألمانيا تعيش اليوم ورطة حقيقة بسبب البيانات المتضاربة حول بكتيريا «ايكولاي» التي أعلنتها خلال الفترة الأخيرة، والتي سببت لها مشكلات مع دول أخرى، كإسبانيا التي تطالب بتعويضات مادية ومعنوية لمزارعيها، بعدما اشتبهت ألمانيا بكون الخيار الإسباني هو المتسبب في هذه العدوى البكتيرية، ومشكلات أخرى داخلية مع مزارعين ألمان وجهت إليهم الشكوك في احتمال أن تكون مزارع البذور لديهم هي المتسبب في انتشار تلك العدوى.

وقد ثبتت براءتها، فالمشكلات سببها شيء واحد وهو غياب الحرفية والتسرع في الإعلان وإصدار الأحكام، ما أدخل العالم في حالة رعب من الخضروات التي لم تثبت إدانتها حتى الساعة في هذا المرض! هذه المشكلة لا بد أن توقظنا كدول خليجية لديها قدرات مالية وبشرية تكمن في كفاءات وطنية، على خلع عباءة «الإمّعة» الذي يتبع بيانات كتلك التي أعلنتها ألمانيا رغم تضاربها، واتخذت دولنا بناء عليها قرارات باسم الاحتياط والاحتراز، دون أن تبذل جهدا في الانتظار.

وفي إجراء فحوصات، وفي مخاطبة منظمة صحة عالمية يفترض أن تحترم صحة وسلامة الشعوب، بدل استسلامهم لهذا التخبط الإعلامي الذي وقعت فيه ألمانيا التي كنا ننظر إليها نظرة مختلفة، لا سيما في الجانب الصحي.

أزمة بكتيريا «ايكولاي» جعلتنا نفيق على درس جديد، وهو ضرورة عدم الانخداع بالمعايير التي خدعنا الغرب بها في كل شيء، في الصحة، التعليم، الزراعة، الاقتصاد، الإعلام، وفي مجالات أخرى، فلو كانوا يطبقون تلك المعايير لما كانت دولهم مرتعا خصبا لمثل تلك الأمراض والأوبئة ـ حمانا الله منها ـ ولكانت أفضل منا في مسائل كثيرة، لكنهم غلبونا بالصوت واستطاعوا الترويج لأنفسهم.

فحققوا الفوائد البشرية لكوادرهم التي تجني أرباحها من انبهارنا بهم، ومن المليارات التي ننفقها على منتجاتهم التي أعدمت الثقة في منتجاتنا التي أصبحنا ننظر إليها بدونية تراجعت بمستوى الثقة حتى في كوادرنا. فالدونية لم تتوقف عند مسألة الخضروات التي أصبح كثيرون يملأونها بالكيماويات لتصبح بنضارة الخضروات الأوروبية وبأسعارها.

بل وصلت حتى للتعليم والاقتصاد وغيرهما من المجالات التي أصبحت تقاس جودتها بمعاييرهم، وإن لم تتوافق مع معاييرنا واحتياجاتنا، فكانت النتيجة خسارتنا وخسارة رؤانا ومعاييرنا، فلم نعد نتبع معاييرنا الأكثر صلة بنا، ولم نعد قادرين على الاستمرار بمعايير أجنبية لم تقدم لنا ما نحتاجه حقيقة، فضعنا وضاعت المعايير وأصبحنا على هاوية فقدان عقولنا يوم استوردنا خبراء يفكرون نيابة عنا، ويديرون شؤوننا وأمورنا وفق ما يرونه مناسبا.

لا وفق ما نحتاج وما يتناسب معنا. نأمل أن يكون إعلان الخيار الإسباني وما تسبب فيه من خسارة للمزارعين، وموضوع شمال ألمانيا الذي أساء لسمعة أصحاب مزارع البذور المتهمين بالبكتيريا من جانب آخر، نأمل أن يكون درسا لمن فتنوا بأصحاب العيون الملونة، فيدركوا أن ليس كل مستورد يستحق إعجابنا وإنفاقنا عليه، فالقضية أكبر من مسألة بكتيريا وخيار، إنها قضية انكشاف وعري معايير لا بد وأن تعيد الاعتبار لمعاييرنا!