كتبنا منذ أيام عن اجتماعات بعض القبائل في الإمارات، وقلنا إن عودة هذه الظاهرة إلى الساحة مسألة إيجابية إذا كان الغرض منها تعزيز التواصل بين أفراد القبيلة الواحدة، وردم الفجوات الحاصلة بين الأجيال، وإذا كانت تلك اللقاءات قادرة على تعزيز القيم والمبادئ اللازم تأصيلها في الأجيال الجديدة الذين نتطلع لأن ينهلوا من كبار القوم كل خير. وأكدنا عندما تطرقنا للموضوع نفسه أن الحديث عن تلك الاجتماعات لا يشجع بأي حال من الأحوال النزعات القبلية التي كانت سبباً في فرقة أبناء مجتمع واحد أو إذكاء الصراعات والخلافات بينهم، فذلك لم يكن في مجتمع الإمارات يوماً ولا نتوقع أن يكون طالما حرصنا على ذلك.
مناسبة حديثنا الـيوم عن هذه الاجتماعات من جديد، ما نشرته صحيفة «غلف نيوز» يوم أمس. فقد قالت الصحيفة إن عدداً من القبائل الإماراتية الرئيسية عقدت سلسلة من الاجتماعات في أبوظبي على مدى الأسبوعين الماضيين، بهدف تأكيد العهد والولاء لدولة الإمارات وقادتها، ونقلت عن شيوخ وزعماء القبائل قولهم إن هذه الاجتماعات تأتي كرد فعل عفوي من جانب القبائل للتعبير عن تأييدها واحترامها لصاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، وحكام الإمارات، في أعقاب التعليقات غير المسؤولة التي أطلقها ناشطون سياسيون بهدف الإساءة إلى بعض رموز الدولة.
إذا كانت القبائل عبرت بعفوية عن رفضها الإساءة لرموز الدولة أو الأساليب التي اتخذها بعض المواطنين للتعبير عن آرائهم، فبادروا من أنفسهم للاجتماع بأفراد قبائلهم للتذكير بقيم الولاء والانتماء، ولتصحيح المفاهيم ووضع حد لأي تجاوزات قد تقع مستقبلاً، فتحمل الأفراد ومن يتبعهم تبعات تبقى الإمارات ومواطنوها في غنى عنها، فإن المسألة تتطلب منا التنبه لقضية في غاية الأهمية، وهي قضية الولاء والانتماء، كيف ومتى ينبغي زرعهما في الأبناء مع ضمان حريات التعبير لهم التي تتعارض مع تلك القضية وما يلزمها من القيم والمبادئ.
كلنا يدرك الـيوم أن ثورة المعلومات والتكنولوجيا قد أتاحت وسائل كثيرة ومتعددة في أيدي الأبناء جعلتهم على اطلاع واسع بكل ما يكتب ويقال، وأصبح لدى الواحد منهم كم هائل من المعلومات تفوق ما يصل شيخ القبيلة أو والديه الأقرب إليه، فهذا زمانه وإن كانت ميزاته سلاحاً ذا حدين. وعلى الرغم من تميز توافر هذه الإمكانات المتاحة إلا أن أحداً منا لا يضمن وجود فلاتر لدى هذا الجيل تضمن له انتقاء وتمييز الجيد من السيئ، لاسيما في القضايا الوطنية المحلية والسياسية، خاصة أن مناهجنا التعليمية قد أصبحت بعيدة كل البعد عن التأثير في عقول أبناء هذا الوقت وثقافته، ما يجعلنا نخشى عليهم الانجراف وراء دعوات تضلل أفكارهم وتتوه بقضية الولاء والانتماء لديهم، ما يستوجب الانتباه مجدداً وسط الأحداث السياسية التي يمر بها العالم إلى قضية الولاء والانتماء وكيفية تعزيزهما وتأصيلهما في العقول والنفوس، ليس من خلال القبائل فحسب، بل بمنهج حياة نتقن صناعته مؤسسات وأفراداً.