عندما تصبح مسؤولاً فذلك يتطلب منك حكمة وكياسة وتأنيا عند التصريح، لا سيما في مسائل حساسة تتوقع ردود أفعال حولها. وهو المطلوب من المسؤولين الذين يخلط بعضهم بين آرائهم كمسؤولين، وبين آرائهم الشخصية. مناسبة حديثنا هذا هو الدعوة التي أطلقها الأخ خالد الكمدة مدير عام هيئة تنمية المجتمع في إمارة دبي، منذ أيام.
والتي شجع فيها المواطنين على الزواج بامرأة ثانية، مع منحها «امتيازات تحفيزية لضمان حقوقها»، مطالباً المواطنات بتقبل الفكرة، باعتبارها «أحد الحلول الجذرية لمشكلة العنوسة والتركيبة السكانية». هذه الدعوة أثارت جدلا طائلا في الوسط الإماراتي، وأثارت ضغائن الكثيرين على هيئة تنمية المجتمع، التي ربما لم يكن الكثيرون يعرفونها حتى هذه القضية، بعد الرسائل التي انتشرت على «البلاك بيري والفيس بوك والتويتر»، لدرجة تراجعت بمستوى الحوار الذي نحتاجه فيما بيننا، لا سيما في قضية التركيبة السكانية، صارفا الأغلبية نحو المناكفات والاستهزاء بالدعوة الموجهة للرجال والنساء، وإشعال حرب شعواء بين النساء اللواتي انقسمن بين مؤيدات ومعارضات، فيما لم نسمع شيئا بطبيعة الحال من الرجال وكأن الموضوع لا يعني أحدا سوى الأخ خالد الكمدة!
الكثيرات من النساء، متزوجات أو عزباوات، أصبحن ينظرن إلى الهيئة على أنها تنمي مشاكل المجتمع ولا تساعد في تنميته، كونها تحل مشاكله بافتعال مشاكل أخرى تشتت الأسرة التي ما زال مستوى التماسك والترابط فيها دون الطموح، نتيجة التغييرات الطارئة على المجتمع المحلي، وما تسببت فيه كالعنوسة والطلاق والعزوف عن الزواج.
لسنا ضد قضية أحلها الشرع، لكن ينبغي وضع اليد على أسباب خلل التركيبية السكانية، ويجب احترام أوضاع اجتماعية وثقافية قائمة، قبل طرح تلك الدعوات التي تثير بلبلة وفتنة نحن أحوج ما نكون إلى من يطفئها، لا إلى من ينزع فتيلها.
لا نحرم الأخ خالد الكمدة حقه في التعبير عن رأيه وقناعاته، لكن كنا نأمل لو أنه ذكر قبل دعوته أعداد الرجال الذين يتحملون مسؤولية منزل واحد، فنثق بقدرتهم على تحمل مسؤولية أكثر من بيت، وليته أحصى عدد العازفين عن الزواج ليؤلف بينهم وبين من حكم عليهن بالعنوسة، وليته طمأننا على طوابير المساكن الحكومية وقد قاربت على الانتهاء، فنطمئن إلى أن مطلبه في تخصيص المزيد من المساكن لمن لديه زوجتان وثلاث وأربع، لن يصطدم بعراقيل أخرى.
ولكن كما يقال، كلمة «يا ليت» لا تعمر بيت. طرح القضايا الوطنية الهامة لا يمكن أن يكون بهذا الشكل ولا بهذا الأسلوب الذي يؤجج النفوس ويزيد الطين بلة، ما يجعلنا نأمل من مسؤولينا أن لا يفصحوا عن آرائهم الشخصية وهم على مقاعد المسؤولية في مؤسسات تتطلب منهم حكمة أكثر وجدية!