لا ألم يفوق ألم شعور الغربة في الوطن، ولا مرارة تفوق مرارة تسلط الأجنبي عليك في أرضك وفيما تملكه وفيما يعد حقاً لك، هذا ما يشعر به للأسف بعض مواطني الدولة ممن يتعرضون لمواقف على أيدي أجانب تم تعيينهم في مناصب تتيح لهم اتخاذ القرار في التعيينات والتوظيف، فاستبعدوا أبناء الدولة في عدد من الوظائف وهمشوا المعينين منهم وكأنهم أهل الدار وأصحاب الحق لا موظفين تم استقطابهم لتأدية خدمة وفق عقود لها نهاية خدمة.
لا نبالغ فيما نصف أو نقول ويكفي أن نذكر موقفاً تعرضّت له مواطنة تبحث منذ سنتين عن فرصة عمل. فقد قابلها مسؤولان عربيان لإحدى الوظائف. وكان من بين الأسئلة التي طرحت عليها: هل تظنين انك ستلتزمين بالعمل؟ فقالت: وهل تظنان بأني جئت حتى لا ألتزم بالوظيفة؟ فقال أحدهما:
نحن لا نوظف المواطن ونوظف غيره لأن الآخر ليس لديه ما يشغله عن أداء وظيفته، أما المواطن فقد تأخذه حياته الاجتماعية عن الالتزام بمهام الوظيفة، لذا فنحن نحبذ تعيين الأجانب على المواطنين، والأكثر أن من أجرى المقابلة افهمها انه ان كان للحكومة المحلية أسهمها في الشركة، فذلك لا يلزمه بتوظيف مواطنين في الشركة. الحوار المقتضب من المقابلة يجعل الواحد فينا يستشيط غضباً فكأن المسؤولين هما الآمران الناهيان ومن يقرران ومن يرسمان سياسة هذه الشركة دون وضع اعتبار لأي إدارة أعلى عنهم!
رغم استيائنا مما أقدم عليه المسؤولان لكننا لا يمكننا لا نلومهما وحدهما، بل نلوم إدارة أكبر سمحت بتواجدهما، وبالتجرؤ ونفث طاقتهما السلبية في شباب الوطن تاركينهم بين خيارين: خيار العمل وفق ثقافة أجنبية بحتة تترك كل الواجبات الاجتماعية خلف ظهرها، أو رفض الوظيفة وإسلام أنفسهم للفراغ.
وكلا الخيارين مر لا حلاوة فيه بل دمار لبنيتنا الاجتماعية التي لا تحتمل أفراداً يديرون ظهورهم لواجباتهم الاجتماعية ولا تحتمل وجود شباب عاطلين نسلمهم للفراغ وقضاء جل أوقاتهم في المقاهي ومراكز التسوق أو على مواقع الانترنت تلك التي قد لا تستثمر طاقاتهم ولا تنمي قدراتهم. فلو كانت التوجيهات والتعليمات واضحة لهذين المسؤولين وغيرهم في المؤسسات والشركات الوطنية لما تكررت هذه المواقف ولما استمرت التجاوزات، ولما وجدنا شباباً عاطلين عن العمل في الوقت الذي توفر فيه الدولة مئات آلاف من فرص العمل للأجانب والوافدين.