إذا كان الأداء المؤسسي المتميز يشترط وجود نظام رقابي مالي صارم على الدوائر الحكومية، وإذا كانت حكومة دبي تؤكد على أن الفترة الماضية ضمت مسؤولين اجتهدوا دون أخطاء وآخرين اجتهدوا وأخطأوا دون قصد في حين كشفت عن مخطئين أخطأوا مع سبق الإصرار والتعمد، فإن المتوقع في المرحلة الحالية والمقبلة أن يكون النظام الذي يعمل به الجميع مختلفا عن الفترة السابقة، نظام يعمل وهو يعلم بوجود الرقابة المالية لكنه لا يجعل إحساسه بها كإحساسه بالسيف المسلط على رقبته، فهذا النوع من الإحساس سيعيق المسؤول ومن معه عن العمل والتطوير في الوقت الذي ينبغي عليه فيه إيجاد وسائل تضمن سير العمل دون عوائق أو تعطيل.
لا ننكر أن الفترة الماضية حملت الكثير من التحديات والمعوقات مالية كانت أو معنوية، ولا ننكر أن هناك مسؤولين دفعوا بالموظفين قيادات كانت أو من صغار الموظفين لتخطي كل التحديات والمعوقات بمرونة بسبب إصرارهم وإيمانهم بما حققته إمارة دبي وبقدرتها على مواصلة السير، فأتت النتائج بما يتناسب مع الطموحات، وكانت الانجازات كبيرة في مشاريع تم الإعلان عنها وكانت نقاط قوة تحسب لتلك الدوائر.
في المقابل كنا سمع ونرى دوائر ومؤسسات أخرى لم تكن قادرة على تجاوز ظروف المرحلة الماضية فحاصرت نفسها بهمّ الرقابة المالية وجعلت موظفيها غير قادرين على العمل ولا على الانجاز بسبب طوق فرضته عليهم يوم سلبتهم صلاحيات التفكير واتخاذ القرار خوفا من ردود أفعال محتملة من الرقابة المالية، فكانت النتيجة سلبية تراجعت بأداء مؤسساتهم وأداء موظفيها الذين أصبحوا يتحركون بناء على ردود أفعال وليس بناء على خطط واستراتيجيات وضعت وكان يفترض مراجعتها والمضي في تنفيذها.
«لا تسرق لا تخاف» هذه الثقافة التي تربينا عليها، فمن اخلص في عمله لربه أولا ثم لضميره لا يمكن أن يكون قيد رقابة مالية أو غيرها من السلطات، بل انه سيجد نفسه قيد ضمير يحاسبه على كل ساعة عمل يحرص على تقديم الأفضل فيها ومحاسبة نفسه قبل محاسبة الآخرين له. وهذه الثقافة هي التي نتمنى أن تقودنا اليوم وفي المستقبل لتحقيق الأفضل دون أن نحاصر أنفسنا بالخوف المبالغ فيه من مؤسسات وضعت لتراقب آليات صرف المال العام وترشيد إنفاقه للحفاظ على المصالح العامة.
ودون أن نخشى العميل السري الذي وضع أيضا ليراقب ويصطاد المقصرين في خدمة العملاء، فتلك السلوكيات يفترض أنها تلاشت مع زيادة أعداد المتعلمين والمثقفين، ومع القرارات التي تم بموجبها محاسبة إدارات وموظفين على ممارسات ما كان ينبغي أن تصدر عنهم. العاقل فينا اليوم ممن يعمل في قطاع حكومي أو حتى محلي يفترض أن يحاسب نفسه قبل الآخرين على كل ما يقوم به من سلوك وظيفي لأنه أصبح اليوم لا يتعامل مع رقابة مالية فحسب أو إدارة جودة وتميز حكومي بل لأنه أصبح يتعامل مع شعب متعدد الثقافات يعرف ماله وما عليه ويعرف كيف ينتزع حقه ممن يتطاول عليه!