لم يكن غريباً علينا كأولياء أمور في الإمارات أن نقرأ خبراً في صحفنا المحلية، عن نشر ألف وخمسمائة إعلان درس خصوصي خلال الشهر الماضي في ثلاث صحف محلية. فالإعلان عن الدروس الخصوصية بهذا الحجم يؤكد مدى الإقبال عليها من قبل الطلاب والأهالي، الذين أصبحوا يلجؤون إليها لتعويض ما يفوت أبناءهم في الحصص الدراسية التي باتت للأسف غير قادرة على تمكين الطلاب معرفياً، وغير قادرة على جعلهم في حالة استغناء عن المدرسين الخصوصيين، ما جعل سوق الدروس الخصوصية هي الرائجة هذه الأيام، بشكل أصبح يشكل العبء الأكبر على أولياء الأمور الذين لم يعد بإمكان الكثير منهم مساعدة أبنائهم على استذكار ومراجعة دروسهم وحملهم تكاليف مادية طائلة، ناهيك عن الأعباء الجسدية والنفسية التي باتت محل شكواهم وشكوى الطلاب، فبعد الفصول الدراسية التي يقضي فيها الطالب جل يومه، أصبح يقضي باقي يومه بين المدرسين الخصوصيين، محروماً من أي راحة ومن أي أنشطة ترفيهية واجتماعية تبقى حقاً مشروعاً له.
التساؤلات حول زيادة الإقبال على الدروس الخصوصية أمر مشروع، لأنها تفتح ملفات بالغة الأهمية، أهمها ضمير المعلم الغائب في فصول المدارس الحكومية والخاصة، وغياب تركيز الطالب في بيئة صفية لم تعد قادرة على جذب الطالب بدرجة كافية، وغياب متابعه الإدارات المدرسية عن أداء مدرسيها، فلو كانت تتابع أداءهم كما ينبغي لما كانت الحاجة للدروس الخصوصية ملحة بهذا القدر البالغ.
المؤسف في هذه القضية أنه في الوقت الذي تتطلع فيه الإمارات لأفضل المخرجات في التعليم، تتحول عملية التعليم إلى سوق فيها بائع ومشترٍ، معلم بائع لضميره ومشتر لمصلحته، سواء كان طالباً أو ولي أمر. فإلى متى نصمت إزاء تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية؟ وكيف يمكن لوزارة التربية والتعليم ومجالس التعليم أن تضع حداً لها؟ وكيف يمكن إنصاف أولئك الأهالي الذين لا تسعفهم ظروفهم المادية لدفع تكاليف الدروس الخصوصية، ولا يمكنهم الدفع بالأبناء نحو النجاح طالما غاب ضمير المعلم في الصف وفقد التلميذ تركيزه؟ وطالما أن أكثرهم لا يملك الأدوات المعينة التي تجعله قادراً على مد يد العون لتمكين أبنائه علمياً وتعويض ما فاتهم في فصول دراسية متعثرة؟
الفساد مرفوض انتشاره في أي مجال، لأنه يهوي بالمسائل إلى القاع، سواء كان في السياسة أو الاقتصاد أو حتى في إدارة مزرعة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، فكيف إن سمحنا بفساد الضمائر في حقل التعليم، ورواج التجارة فيه لتغليب مصالح أفراد يفترض أن يقوموا بواجبهم داخل الصفوف الدراسية وأثناء ساعات دوامهم، مقابل رواتب يتقاضونها بعد انتهاء الدوام ليضاعفوا مداخيلهم على حساب مصالح طلاب وطموحات دولة.