لطالما تحدثنا عن أهمية دعم الكوادر الطبية في القطاع الصحي، وتحسين بيئات عملها ودعمها نحو الاستمرار في هذا القطاع، لأهميته وأهمية تطويره الذي لن يتم إلا بسواعدها، ولطالما حذرنا من تراجع أعداد مزاولي مهنة الطب في مختلف التخصصات، والذين اتجه عدد كبير منهم نحو المجال الإداري، كون ذلك يعد نزيفاً خطراً تدفع الإمارات ثمنه في أهم القطاعات التي تحرص على تطويرها وتنميتها بالشكل الذي يحقق احتياجاتها. واقع القطاع الصحي الاتحادي ما زال يعاني من تحديات لا بد من مواجهتها، وفي أسرع وقت، حتى لا يتسع الخرق على الراقع.
منذ يومين قرأنا خبراً في صحفنا المحلية عن استقالة نحو 343 طبيباً وفنياً من وزارة الصحة خلال العام المنصرم، منهم 143 طبيباً و200 فني من مختلف التخصصات، وأكدت مصادر مطلعة في الوزارة أن حالات الاستقالة في تزايد، وأن هناك عدة أسباب رئيسة تقف وراء الاستقالة، حسب البيانات الواردة في النموذج المعد من قبل الوزارة لذلك، مشيرة إلى أن أكثر الأسباب تكراراً هو ضعف الرواتب والحصول على فرصة أفضل، وعدم الحصول على العلاوة الفنية والترقية، ما دعا المستقيلين للاتجاه إلى جهات قدمت عروض عمل أفضل، في دول مجاورة أو من جهات داخل الدولة، مثل القطاع الطبي الخاص والجهات المحلية المختصة.
المصادر في وزارة الصحة أكدت أن الاستقالات مستمرة، خصوصاً بين الطواقم الطبية والفنية في الإمارات الشمالية، لا سيما وأن العديد من المستقيلين حصلوا على امتيازات تصل إلى ضعف ما كانوا يتقاضونه في وزارة الصحة، سواء أكان راتباً أو علاوات إضافة إلى السكن.
الأرقام التي ذكرناها، تثير قلقاً مشروعاً لدى أي مواطن يتطلع إلى خدمات صحية أفضل وكادر صحي متميز، وتثير القلق والغضب لدى أي مواطن يعمل في هذا القطاع ويجد نفسه أمام خيارات ضعيفة، تجبره على التخلي عن العمل في مستشفيات تتبع وزارة الصحة، لم تعد تقدم له الراتب ولا الامتيازات المحفزة للاستمرار في العمل والعطاء، مقابل مؤسسات أخرى قدرت مهنته واحتضنت كفاءته وقدمت له ما يستحق، ما يجعلنا نتساءل عن صمت وزارة الصحة على هذا النزيف المستمر في كوادرها، بسبب دعم مالي يفترض أنها وضعته في بنود ميزانيتها، كما يفترض أنها استوعبت حاجة العاملين لديها أكثر من أي أمر آخر. فالطبيب أو الفني الذي تطلب منه كفاءة في الأداء، لا بد أن توفر له بيئة عمل محفزة على العطاء، وبيئة تحترم هذا العطاء ولا تتجاهل حقوق موظفيه.
وزارة الصحة يفترض ألا تتجاهل استقالات كوادرها، بينما تصرف ملايين الدراهم على علاج المرضى والأطباء الزائرين الذين تستقطبهم من الخارج، والأجدر أن تنفق تلك الأموال على كوادر يمثل استمرارها في عملها الدعم الحقيقي للقطاع الصحي بأكمله في الدولة.