يلفت انتباهنا المسنون في الدول الأوروبية الذين تتجاوز أعمارهم الستين عاما، ومع ذلك يمارس كل منهم نشاطاته بشكل مستقل واعتيادي دون حاجة للآخرين، والأكثر أن غالبيتهم تكون في صحة جيدة وخالية من الأمراض المزمنة التي ابتلي بها كبار السن لدينا، والأكثر أننا قلما نسمع في تلك الدول عن تعرض المسنين لداء الزهايمر في سن مبكرة، والذي أصبح كثير من الأفراد في مجتمعاتنا العربية معرضون للإصابة به. التساؤل عن الأسباب العامة التي تقف وراء الصحة الجسدية والعقلية والنفسية لهؤلاء المسنين الأوروبيين، يجعلنا أمام حزمة من الإجابات، أهمها نمط حياة عامة اعتاد عليها كبار السن وعودوا أنفسهم عليها، بالإضافة إلى مستوى الرعاية الصحية الذي يحظون به قبل تقدم العمر بهم، والأهم من ذلك كله الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية الخاصة، غير تلك الرعاية التي اعتدنا على تقديمها لأمثالهم في مجتمعاتنا. في الإمارات يعاني بعض الأسر في رعاية كبار السن لديها، ليس لأنها لا تسعد بتحملها والقيام بها برا وإحسانا، بل لأن احتياجات المسن عندما يتقدم به العمر لا تنحصر في أدوية يأخذها ضد عدد من الأمراض إن كان مصابا بها، بل تكمن المعاناة في وسائل الرعاية النفسية والاجتماعية، وأدواتها التي لا يملكها كثير من الأفراد، لا سيما مع فئة تحتاج إلى رعاية خاصة. وتكمن المعاناة في الوسائل التي يفتقدها الأفراد للتعامل مع كبار السن الذين فقدوا ذاكرتهم وأصيبوا بالزهايمر، ما يجعل المسن عرضة للإهمال وعرضه لتدهور الذاكرة وفقدانها بسرعة، وفي فترة زمنية وجيزة، مع أن الرعاية المناسبة كفيلة بالحفاظ عليها لفترة أطول، حسب ما تشير إليه عدد من الدراسات والتجارب التي أثبتت جدواها.
الرعاية التي يحتاجها كبار السن في دولتنا ليست متوافرة إلا في المستشفيات، وهي تقدم بالنسبة العظمى منها للمرضى منهم، لكنها لا تقدم ما يحتاجون إليه من رعاية نفسية واجتماعية وأخرى عصبية تبقي على ذاكرتهم ولياقتهم بحالة جيدة، وهو الأمر الذي يمكن أن تقدمه مراكز صحية متخصصة لرعاية كبار السن ـ غير استراحات الشواب ـ تضم من لا أسر لهم أو من عجزت أسرهم عن رعايتهم، فلو توافرت هذه المراكز لقدمت الرعاية التي يحتاجها كبار السن في الدولة، ولقدمت التوجيهات اللازمة لمن يعتني بهم.
مجتمع الإمارات شاب، وأصبحنا نفقد الكثير من شبابه في حوادث الطرق وغيرها من الآفات كالمخدرات، وواجبنا الحفاظ على كبار السن وهم في حالة جيدة صحيا ونفسيا واجتماعيا، ومن واجبنا الحفاظ على ذاكرتهم بعيدا عن آفة الزهايمر الذي يتردى بالذاكرة إذا ما تركناها له ليفتك بها. لذا فإن المأمول من مؤسساتنا، أن تسعى لإنشاء هذا النوع من المراكز، ولو من باب رد الجميل لمن قدموا الكثير.