نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد؟
فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائما. وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعا، لذا علينا وإن غزا رؤوسنا اللون الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم يمثل تجربة حية أثبتت نجاحها عبر سنوات من التعب والعمل الدؤوب للوصول إلى الهدف، ولدت فاطمة ماجد السري في الكويت وتلقت بدايات تعليمها في مدارسها، وعادت إلى الإمارات.. موطنها الذي تفتخر به، عاشت في بيئة أدبية هيأها لها والدها، فانغمست في القراءة وبرزت موهبتها في الكتابة.
ولما أحبت العمل الصحافي، نالت تشجيعا من والديها واستقبلتها جريدتا البيان والخليج واحتضنتاها بين يديهما، فنشطت وتحدت العوائق الاجتماعية في زمن كانت المرأة بعيدة عن ممارسة الجانب العملي، واستطاعت أن تعكس صورة الحياة والنجاح وعطاء المرأة الإماراتية في مجتمعها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل مثلت المرأة الإماراتية في المحافل العربية والعالمية سعيا منها لتأكيد عبارة: «سمات تقدم الدول في نسائها»، وكان هذا الحوار:
كيف بدأت حياتك العملية؟
حياتي العملية بدأت منذ أن كنت على مقاعد الدراسة، ولم آل جهدا في انتهاز الفرص التدريبية التي حظيت بها آنذاك، حيث عملت كمتطوعة في جريدتي البيان والخليج أثناء دراستي الثانوية، ولشدة اهتمامي بأخبار المدارس دأبت على إرسال المواد والذهاب إلى الجريدة للاستفادة من خبرات زملائي، وكنت حينها اسكن في إمارة الشارقة وكانت إدارة الجريدة ترسل سيارة خاصة لي من باب التشجيع، كما خصصت جريدة البيان صفحة تعنى بأخبار المدارس في الثمانينات وكانت لي زاوية أسبوعية اكتب فيها وواصلت على ذلك حتى دخولي لجامعة الإمارات وتخرجي منها.
تربية بناتي
ما هي طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟
بعد تخرجي من الجامعة آثرت تربية بناتي في المنزل وشغلت بعد أربع سنوات وظيفة منسقة إعلامية في جمعية النهضة النسائية بدبي في عام 1991 وحتى العام الماضي، ووجدت أنها الوظيفة المناسبة ولم ارض بالعمل في الجرائد التي تدربت فيها، وذلك لحرصي على الحفاظ على العلاقة الودية التي ربطتني بالأساتذة الذين عملت معهم، جنبا إلى جنب مع التعاون مع وسائل الإعلام المختلفة وليس جريدة بحد ذاتها.
كيف تنظرين إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟
عملي في الجمعية يحتاج إلى صبر باعتباره عملا اجتماعيا وأحببت العمل فيه أكثر من أي شيء، ما اكسبني خبرة وثقة وتوطيد العلاقات على مستوى الدولة وخارجها، لذلك أود القول بأن الإنسان الذي يعطي لا يجب أن يحصر نفسه في مجال معين، حيث إن عملي في الجمعية فتح أمامي الطريق للمشاركة في المؤتمرات المحلية والعالمية والسفر إلى أكثر من بلد، الأمر الذي ساهم في رفع وتعزيز مكانة المرأة الإماراتية وإظهارها في المحافل العربية والأجنبية.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
العمل في الجمعية يتطلب مجهودا كبيرا لتنفيذه عدة برامج ومشاريع تثقيفية واجتماعية ودينية وأنشطة وفعاليات ومعارض مختلفة تتضمن مجالات مختلفة، بالإضافة إلى دوره الكبير في تنمية المجتمع، وكان احد أدواري الرئيسية التواصل مع كافة قطاعات المجتمع من مؤسسات خدمية وأفراد ووسائل الإعلام وبناء علاقات مع الإعلاميين لنشر أخبار الجمعية والفعاليات التي تقيمها، إلى جانب تغطية كافة أحداث وأنشطة اللجان والفروع والمراكز التابعة للجمعية ونقلها عبر كافة وسائل الإعلام، ومع مرور الأيام أثمرت العلاقة وأصبح لدي رصيد وافر من الزملاء داخل وخارج الدولة، الأمر الذي اكسبني حبا في العطاء وبذل المزيد في هذا المجال.
كما أن عطائي والتفاني في عملي لم يتوقف عند حد معين وذلك بدافع حبي وشعوري بالفخر لانتمائي لهذا البلد وحكومته الرشيدة التي تشجع المرأة على العمل وتفتح أمامها أبوابا واسعة للإبداع، فاجتهدت وحققت الأهداف التي أصبو إليها من خلال عملي في محاولة لرد الجميل لبلدي وللقيادة العليا التي تساند المرأة في كل خطوة بصورة دائمة.
انتماء للحمعية
صفي أول وآخر يوم عمل لك؟
أول يوم لي في الجمعية لم يكن سهلا بسبب عدم معرفتي بطبيعة العمل، والفضل يعود لزميلتي وأختي أمينة إبراهيم لاحتضانها لي في بداية انتمائي للجمعية وعلمتني آلية عمل الجمعية والمهام المناطة بها، واعتقد أن كافة من عمل في جمعية النهضة النسائية لمس هذا الجانب من الأستاذة أمينة، وحينها تعلمت قيمة الصبر وكان أول درس تعلمته، أما آخر يوم فكان في ندوة أقامتها جريدة (البيان) في نادي دبي للصحافة وتحديدا بتاريخ 10مايو 2007 حيث تعرضت لظروف صحية، وبعدها بعام قدمت على التقاعد وكنت خارج الدولة.
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟
محبة الناس واكتسابها وترك اثر طيب في نفوس الأشخاص كافة أمر في غاية الأهمية، حيث إن محبة الناس بانت في ظروفي الصحية وأتت بنتيجة رفعت من معنوياتي وأشعرتني بالسعادة والثقة.
هل لك أن تلخصي لنا الخبرة التي اكتسبتيها في جملة واحدة؟
أهمية التحلي بالتواضع والصبر وتحمل المسؤولية وعدم النظر للخلف، ومهما كبر الإنسان في مسؤولياته ودراساته وعمره فانه يحتاج إلى التعلم من الأناس البسطاء.
ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟
فائدة كبيرة ورصيد واسع من المعارف في مختلف الدول العربية وغيرها من كافة المجالات، واستطعت أن ابني اسمي عبر سنوات طويلة في مجالات ثقافية واجتماعية داخل الدولة وخارجها، كما اثبت من خلال عملي في السبعينات والثمانينات وهو زمن كانت المرأة مهمشة ومغيبة فيه نوعا ما بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية والخوف من نظرة المجتمع للمرأة التي تقتحم المجال العملي، فاستطعت أن أتغلب على هذه الصعوبات بفضل والدي الذي كان يشجعني على خوض التجارب العملية والانخراط في المحيط الاجتماعي والثقافي المتفتح، وكان يحرص على تأمين الجو الأدبي من خلال الاهتمام بالصحافة وتجميع المجلات في الستينات، فعشت في بيئة أدبية تحرص على إدماج المرأة في قطاعات الحياة المختلفة.
كما أن عملي عزز من تواصلي مع المؤسسات ووسائل الإعلام، وجنيت فائدة عظيمة تتمثل في محبة الناس والابتعاد عن التعالي والتكبر وتحمل المسؤوليات وبذل العطاء في أي مجال، ودائما ما احرص على غرس تلك الصفات في نفوس بناتي وأعلمهن أهمية التغاضي وعدم محاسبة الأشخاص على توافه الأمور، وعدم التذمر وتضخيم الأمور، وأشجعهن على الشكر على النعمة التي نحظى بها في الدولة.
بالإضافة إلى حفاظي على علاقة متينة مع زملائي القدامى واعتزازي بوجودهم في حياتي باعتبارهم ساهموا في تشجيعي منذ بداياتي ووقفوا جنبا إلى جنب معي في تطوير مهاراتي الكتابية وبناء العلاقات منهم الأستاذ ظاعن شاهين رئيس تحرير جريدة «البيان» والأستاذ خليل بري سكرتير تحرير بجريدة «البيان» والأستاذ علي شهدور نائب رئيس التحرير ب«البيان» والدكتور محمد المطوع رئيس وحدة الدراسات ب«البيان» والأستاذ وائل الجشي من القسم الاقتصادي بجريدة «الخليج» والصحافي سامح الذي هاجر إلى أميركا والكاتب عبد الرزاق إسماعيل الذي يعمل في جريدة «الخليج» منذ 30 عاما وحتى الآن.
ماذا تنصحين الموظفين الجدد؟
أغلبية الموظفين الجدد يقدمون أوراقهم وينتظرون فرص العمل تأتيهم وهم في بيوتهم، وهنا أود الإشارة إلى ضرورة السعي والبحث عن العمل واغتنام الفرص للتطوع باعتباره يفتح المجالات أمام الباحثين عن عمل للحصول على الوظائف أسرع عن غيرهم للخبرات المكتسبة لديهم، وأدعو الباحثين عن عمل بعدم انتظار الفرص في البيت وإذا فتح لكم المجال للعطاء فأعطوا، ولكن غياب التشجيع يعد من معوقات العمل التطوعي، كما انصح الموظفين الجدد بعدم انتظار التقدير لأنه سيأتي مع مرور الأيام، وأهمية تحمل المسؤولية.
ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟
أنا إنسانة متفائلة ولا أرى أن هناك صعوبة في التواصل مع الناس، وان واجهتني صعوبات في العمل أحاول بقدر المستطاع تبسيط الأمور وانظر لها بتفاؤل وهكذا تسير الأمور بالنسبة إلي.
صفي لنا أجمل المواقف التي مررت بها؟
خلال زيارتي لقرية تقع في أعلى جبال روكي بولاية كولورادو في أميركا، سألني أحد الأشخاص من أهالي المنطقة عن هويتي والدولة التي أنتمي لها، وعندما كشفت عن اسم دبي شعرت بالفخر والاعتزاز كون الرجل فاجأني عن تقديره وإعجابه بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
ما هو أصعب قرار اتخذتيه في حياتك العملية؟
قرار التقاعد، لم يكن بيدي وكان خارجا عن إرادتي، وأرى بأني قادرة على العطاء في عملي ولكن ظروف الحياة حالت دون ذلك، ولكني سأستغل عطائي في مجالات أخرى.
كيف تنظر ابنتاك إلى طبيعة عملك؟
ابنتاي عاشتا وتأقلمتا مع الجو الذي فرضه علي عملي، وأحبتا هذا المجال، ولكل واحدة منهما اتجاهها، ويبقى في النهاية شعورهما بالفخر لدى ظهوري في الإعلام، كما تفتح الجامعات والكليات التي تدرسان فيها أبوابها أمامي للحضور والمشاركة كنموذج للمرأة الناجحة في مجتمعها والام العاملة والمربية التي تفانت في تربية بناتها المجتهدات.
ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟
هناك هم يراودني ويدفعني للمحافظة على تراث بلدي وتاريخه وتوصيله لأبنائه، وآمل في الاستمرار في هذا المجال، كما أن التقاعد سيساعدني في التفرغ والعودة للتأليف وكتابة الخبرات المختزلة في ذاكرتي عبر مسيرة 30 عاما من العمل، وسأعمل على إظهاره في إصدارات مختلفة، بالإضافة إلى إكمال دراستي العليا.
هل تعتقدين انك تلقين التقدير الذي تستحقينه من المجتمع وأصدقائك؟
التقدير ليس بمادة، وهذا ما حصلت عليه بأعلى المستويات، حظيت بمحبة الناس ووقفوا بجانبي وهو لم يأت من عبث، حيث جاء من جهودي ومثابرتي وحبي للناس فبادلتني هذا الحب بعيدا عن التعالي والحسد والنظر للخلف.
وتم تقديري من خلال مقابلتي لأصحاب السمو حكام الإمارات واعتز بلقاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، فكانت تجربة جملية لن أنساها أبدا، وهنا أود القول بضرورة اخذ العبرة من حكامنا الذين سطروا أروع الأمثلة في تعاملهم مع شعوبهم وخدمتهم لهم والتواصل معهم.
كما أن فوزي بجائزة المرأة العربية المتميزة لعام 2006 يعتبر وسام تقدير افتخر به، وكانت لحظة لا تنسى عند تكريمي في ليبيا برعاية واستضافة الرئيس معمر القذافي، حيث تهافتت الجرائد العربية المختلفة على نشر هذا الخبر، وارى بأني حصلت على الفرصة والدعم والتشجيع من بلدي فارتقيت بعملي واجتهدت به وذلك من باب إحساسي بالمسؤولية ونظرت إليه باعتباره تكليفا وحرصت على تأدية عملي بكفاءة ومثابرة.
تجربة
دعوة المجتمع لتفهم دور الإعلامي
رداً على سؤال إن كان لك الخيار مرة أخرى فهل تعملين في الوظيفة نفسها قالت فاطمة السري: نعم، بسبب حبي للصحافة وتكوين علاقات إنسانية ايجابية مع الآخرين، وأتمنى تفهم المجتمع لدور الإعلامي، والحياة تتطلب الوقوف بجانب الإعلامي وإعطائه الفرص دون تحديد القوانين التي تحد من ممارسة عمله بحرية، لأنه في النهاية إذا لم تتم تهيئة الجو له لن ينقل الصورة الصحيحة للواقع. كما لاحظت أن أغلبية الطلبة تستهل دراسة الإعلام دون العلم بأهمية هذا المجال، ويجب أن يكون نابعا من حب الشخص للعمل في هذا الميدان الهام، والنتيجة وجود عدد كبير من خريجي الإعلام لا يعملون في مجالهم.
حوار ـ نادية إبراهيم